د جمال القليوبي يكتب: أسعار النفط أصبحت لم تعد تتأثر بمضيق هرمز
ارتبطت حاله الملاحه في مضيق هرمز منذ الغزو الاسرائيلي الامريكي علي ايران بحالة عدم استقرار التي لجأت اليها ايران بإلقاء الالغام في المضيق ومنع حركة الناقلات حيث صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج العربي إلى الأسواق العالمية. ولذا ارتبط اسم المضيق لعقود طويلة بمعادلة بسيطة في أذهان الكثيرين مفادها أن غلق المضيق يعني ارتفاع أسعار النفط، بينما يؤدي فتحه إلى انخفاض الأسعار. إلا أن واقع أسواق الطاقة العالمية خلال الثلاث شهور الأخيرة أثبت أن هذه المعادلة لم تعد بالبساطة التي كانت عليها في السابق، وأن هناك عوامل أخرى أصبحت أكثر تأثيراً في تحديد أسعار النفط من مجرد استمرار الملاحة أو توقفها في هذا الممر البحري الحيوي.
ففي الأسواق الحديثة لا يتم تسعير النفط بناءً على الكميات الفعلية المتداولة فقط في الأسواق والبورصات العالمية، وإنما تلعب التوقعات المستقبلية والعقود الآجلة في البورصات العالمية دوراً بالغ الأهمية. ولذلك فإن مجرد الإعلان عن احتمالات غلق مضيق هرمز قد يدفع الأسعار للارتفاع نتيجة المخاوف النفسية والمضاربات المالية، حتى قبل حدوث أي نقص حقيقي في الإمدادات. وعلى الجانب الآخر، فإن إعلان التوصل إلى تفاهمات سياسية او اتفاق أو هدنة مؤقتة بين امريكا وايران قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار فوراً رغم عدم حدوث زيادة فعلية في الإنتاج أو الصادرات.
ومن العوامل المهمة التي ساهمت في تقليل تأثير المضيق على الأسعار خلال الأشهر الأخيرة لجوء العديد من القوى الاقتصادية الكبرى إلى استخدام جزء من مخزوناتها الاستراتيجية. فقد اعتمدت الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند والعديد من دول الاتحاد الأوروبي على الاحتياطيات التي قامت بتجميعها خلال السنوات الماضية، الأمر الذي خفف من حاجتها الفورية إلى شراء كميات إضافية من النفط من الأسواق العالمية. ومع تراجع الطلب الفوري من هذه الاقتصادات العملاقة، فقدت الأسعار جزءاً من الدعم الذي كانت تحصل عليه عادة خلال فترات الأزمات الجيوسياسية.
كما أن الدول الرئيسية المنتجة للنفط في منطقة الخليج لم تقف مكتوفة الأيدي أمام المخاطر المرتبطة بالمضيق، بل لجاءت الي البدائل اللوجستية وخطوط نقل تقلل من اعتمادها الكامل عليه. فقد طورت المملكة العربية السعودية خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر، كما عززت دولة الإمارات قدراتها التصديرية عبر موانئ تقع خارج نطاق المضيق، بينما سعت دول أخرى مثل العراق وإيران إلى توسيع خياراتها التصديرية بقدر الإمكان من خلال الدول المحيطة بها مثل تركيا وأذربيجان وأرمينيا ، ونتيجة لهذه الإجراءات تمكنت بعض الدول من المحافظة على تدفقات نفطية تراوحت بين 60 الي 75% من طاقتها التصديرية المعتادة حتى في ظل اضطراب الملاحة، وهو ما ساعد الأسواق العالمية على تجنب حدوث نقص حاد في الإمدادات.
وفي الوقت ذاته، شهد العالم زيادة ملحوظة في إنتاج النفط والغاز من دول خارج منظمة أوبك حيث رفعت دول مثل البرازيل وروسيا والسنغال وغينيا الاستوائية وأستراليا وأذربيجان مستويات إنتاجها بصورة كبيرة، مستفيدة من ارتفاع الأسعار خلال الفترات السابقة ومن الاستثمارات الجديدة التي دخلت مرحلة الإنتاج التجاري وتشير التقديرات إلى أن هذه الدول أضافت مجتمعة ما بين 6 إلى 8 ملايين برميل يومياً مقارنة بمستويات الإنتاج قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، الأمر الذي وفر مصدراً إضافياً للإمدادات وساهم في الحد من أي فجوة محتملة في السوق العالمية.
ورغم أن النفط الخام استطاع إيجاد بدائل نسبية للنقل والتوريد، فإن الوضع يختلف بالنسبة للعديد من المنتجات الأخرى المرتبطة بسلاسل الإمداد الخليجية فما زالت بعض المواد البتروكيماوية والأسمدة والغازات الصناعية النادرة ووقود الطائرات تعاني من ارتفاع الأسعار مقارنة بالنفط الخام، نظراً لصعوبة إيجاد مسارات لوجستية بديلة لها بالسرعة نفسها. ولذلك لا يزال العالم يواجه تحديات في توفير بعض هذه المنتجات، وهو ما فتح الباب أمام دول أخرى مثل نيجيريا وأنجولا والبرازيل والمكسيك وأستراليا لمحاولة زيادة إنتاجها والاستفادة من ارتفاع الأسعار لتعويض جزء من النقص في الأسواق الدولية.
ومن هنا يتضح أن تأثير مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي لم يعد يقتصر على النفط وحده، بل يمتد إلى قطاعات صناعية ونقل جوي وبتروكيماويات تعتمد بشكل مباشر على استمرار تدفق المواد الخام والمنتجات المكررة عبر هذا الشريان البحري الحيوي.
أما فيما يتعلق بمستقبل الأسعار خلال الفترة المقبلة، فإن السيناريوهات المحتملة ترتبط بدرجة كبيرة بمسار العلاقات الأمريكية الإيرانية ومدى نجاح الجهود الدبلوماسية الحالية. فهناك احتمالان رئيسيان يمكن أن يحددا اتجاه السوق خلال الأشهر القادمة.
الاحتمال الأول يتمثل في فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى تفاهمات تحقق الثقة المتبادلة بين الطرفين خلال الفترة الزمنية المطروحة، والتي تقدر بنحو ستين يوماً. وفي هذه الحالة قد تنهار الهدنة الحالية وتعود التوترات العسكرية والسياسية إلى الواجهة، بما قد يؤدي إلى تهديد الملاحة أو إغلاق المضيق بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعندئذ قد يتراجع المعروض العالمي من النفط وترتفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 90 دولاراً للبرميل، خاصة إذا تزامن ذلك مع زيادة الطلب الموسمي أو تعطل إمدادات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.
أما الاحتمال الثاني فيتمثل في نجاح المفاوضات وتنفيذ الالتزامات المتبادلة بين واشنطن وطهران بصورة كاملة، بما يضمن استقرار الملاحة وفتح المضيق بشكل طبيعي. وفي هذه الحالة قد تتجه أسعار النفط إلى الانخفاض بصورة ملحوظة وربما تقترب من مستوى 65 دولاراً للبرميل. ويرجع ذلك إلى أن العديد من الدول الصناعية الكبرى لا تبدو متحمسة حالياً لإعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية عند الأسعار الحالية، بل تفضل الانتظار حتى تقترب الأسعار من مستوى 60 دولاراً للبرميل أو أقل. كما أن الولايات المتحدة نفسها قد تجد في هذه المستويات فرصة مناسبة لإعادة ملء احتياطيها النفطي الاستراتيجي الذي استخدمت أجزاء منه خلال الأشهر الماضية للحد من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على الاقتصاد الأمريكي.
وفي النهاية، يمكن القول إن أسعار النفط في العصر الحديث أصبحت نتاجاً لمعادلة معقدة تجمع بين الجغرافيا السياسية والمخزونات الاستراتيجية والبدائل اللوجستية والإنتاج العالمي والتوقعات المالية. ولذلك فإن غلق أو فتح مضيق هرمز لم يعد العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاه الأسعار، بل أصبح مجرد عنصر مهم ضمن منظومة واسعة من المتغيرات التي تتحكم في مستقبل أسواق الطاقة العالمية والي تكمله قادمة …