الأربعاء 24 يونيو 2026 الموافق 09 محرم 1448

وائل عطية يكتب: أمن الطاقة ليس مسؤولية البترول وحده

171
المستقبل اليوم

منذ سنوات طويلة ترسخ في الوعي الجمعي المصري تصور مفاده أن أزمة الطاقة في مصر ترتبط حصرياً بقدرة قطاع البترول والغاز على توفير احتياجات الدولة من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، والمصانع، ووسائل النقل، والمنازل. وأصبح أي نقص في إمدادات الطاقة أو ارتفاع في تكلفتها يُترجم تلقائياً إلى اتهام مباشر لقطاع البترول وتحميله كامل المسؤولية عن أمن الطاقة المصري.

ولعل ما شهدته أروقة البرلمان خلال الأيام الماضية يعكس بوضوح هذا الاتجاه. فقد واجه المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية أسبوعاً رقابياً مكثفاً تحت قبة مجلس النواب حيث ناقشت لجنة الطاقة والبيئة برئاسة المهندس طارق الملا عدداً من طلبات الإحاطة المرتبطة بملفات إنتاج الغاز الطبيعي وتعطل تنمية بعض الاكتشافات وارتفاع فاتورة واردات الطاقة وتأثير نقص الغاز على محطات الكهرباء والصناعة إضافة إلى المديونيات المتبادلة داخل منظومة الطاقة.

قد يكون من العوامل التي أسهمت في زيادة التركيز البرلماني على ملفات البترول والغاز أن رئاسة لجنتي الطاقة في مجلسي النواب والشيوخ يتولاها وزيرا بترول سابقان، الأمر الذي جعل قضايا الإنتاج والاستكشاف والاستيراد تحظى باهتمام رقابي واسع خلال الفترة الأخيرة خاصة في ظل التحديات الراهنة المتعلقة بتراجع الإنتاج المحلي وزيادة فاتورة الاستيراد. وتعكس هذه المناقشات البرلمانية حجم القلق المشروع تجاه مستقبل أمن الطاقة في مصر كما تعكس حجم الضغوط الواقعة على قطاع البترول باعتباره المورد الرئيسي للطاقة الأولية. إلا أن قراءة أعمق لهذه المناقشات تكشف أن جوهر المشكلة يتجاوز حدود وزارة البترول أو الهيئة المصرية العامة للبترول ليمتد إلى منظومة الطاقة بأكملها.

فالحقيقة التي يجب أن تترسخ في الوعي العام هي أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط من خلال زيادة إنتاج الغاز والبترول وإنما عبر منظومة متكاملة تضم الكهرباء والطاقة المتجددة وكفاءة الاستخدام وسياسات الاستثمار والتسعير والتخطيط طويل الأجل. ومن ثم فإن تحميل قطاع البترول وحده مسؤولية تأمين الطاقة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل قد يعيق الوصول إلى حلول أكثر استدامة.
وقد أكد المهندس كريم بدوي خلال مناقشاته مع النواب أن انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي يعود إلى أسباب تراكمت خلال سنوات سابقة مشيراً إلى أن سداد مستحقات الشركاء الأجانب يمثل عاملاً أساسياً في استعادة معدلات الإنتاج وزيادة الاستثمارات. كما أوضح أن الوزارة تعمل على تعزيز الإنتاج باستخدام تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجيولوجية.
لكن اللافت في حديث الوزير كان تأكيده أن التوسع في الطاقة المتجددة يمثل جزءاً أساسياً من الحل ليس فقط لتحقيق أهداف الاستدامة البيئية، بل أيضاً لتوفير كميات أكبر من الغاز الطبيعي يمكن توجيهها للصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة أو للتصدير.
ومن جانبه أكد المهندس طارق الملا أن مواجهة تحديات الطاقة تتطلب (فريق عمل وطنياً متكاملاً) وهي عبارة ربما تختصر جوهر القضية بأكملها. فالتحدي لا يخص وزارة بعينها ولا يمكن حله عبر زيادة إنتاج الغاز وحدها، بل يحتاج إلى تكامل بين قطاعات البترول والكهرباء والصناعة والاستثمار والمالية والنقل والإسكان إلى جانب القطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الضغوط على قطاع البترول لتوفير احتياجات الكهرباء والصناعة والزراعة والنقل والقطاع التجاري كان من المفترض أن تتحمل جهات ومؤسسات أخرى مسؤولياتها في تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وتشجيع استخدام الخلايا الشمسية في المنازل والمباني والمنشآت الصناعية ودعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة للتحول إلى مصادر أكثر استدامة.
فمصر تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون من الدول الرائدة في مجال الطاقة المتجددة. فهي من أكثر دول العالم تمتعاً بساعات السطوع الشمسي كما تمتلك مواقع متميزة لإنتاج طاقة الرياح ومع ذلك لا تزال مساهمة الطاقة المتجددة أقل كثيراً من الإمكانات المتاحة.
وتقدم دول في محيطنا الإقليمي نماذج جديرة بالدراسة. فقد قطعت المغرب شوطاً كبيراً في التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كما حققت جنوب أفريقيا تقدماً ملموساً في زيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لديها. وكان من الطبيعي أن تكون مصر بما تمتلكه من إمكانات طبيعية وبنية تحتية وخبرات فنية، في مقدمة هذه الدول.
ومن هنا فإن توجيه الرأي العام نحو الاعتقاد بأن حلول أزمة الطاقة لا يملكها سوى قطاع البترول والغاز المصري لا يصب في صالح الأمن القومي المصري. فالأمن الحقيقي للطاقة يقوم على تنوع المصادر وتوزيع المسؤوليات بين مختلف القطاعات المعنية بالطاقة، والإنتاج، والاستثمار، والتخطيط.
إن مستقبل الطاقة في مصر يجب أن يقوم على ثلاثة أركان متوازنة: قطاع بترول قوي قادر على تعظيم الإنتاج المحلي وإدارة مصادر الإمداد بكفاءة والعمل على إيجاد فرص استثمار خارجية للبترول والغاز، وقطاع كهرباء كفء يعتمد على أحدث التقنيات، وتوسع سريع ومدروس في الطاقة المتجددة. وعندما تتحقق هذه المعادلة يصبح أمن الطاقة أكثر استدامة وتقل فاتورة الاستيراد وتزداد قدرة الاقتصاد المصري على النمو والمنافسة.
فالقضية في النهاية ليست قضية بترول فقط وإنما قضية طاقة بكل مكوناتها. وكلما أدركنا ذلك مبكراً اقتربنا أكثر من بناء منظومة طاقة آمنة وقادرة على تلبية احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية.




تم نسخ الرابط