الأربعاء 24 يونيو 2026 الموافق 09 محرم 1448

محمد صبحي..سيرة ومسيرة أحد أعمدة التكرير في قطاع البترول

373
المستقبل اليوم

يمثل المهندس محمد صبحي أحد أبرز النماذج القيادية والتكنوقراطية التي أنجبتها صناعة البترول المصرية، حيث جمع على مدار ما يقرب من أربعة عقود بين الخبرة الفنية العميقة والرؤية الإدارية الاستراتيجية، ليصبح واحداً من القيادات التي تركت بصمة واضحة في مواقع العمل المختلفة التي تولى مسؤوليتها.

بدأت رحلته المهنية عام 1988، في مرحلة شهدت خلالها صناعة البترول المصرية تحولات متسارعة وتحديات متنامية، وكان منذ خطواته الأولى حريصاً على بناء قاعدة علمية وعملية متينة مكنته من التدرج في المناصب واكتساب خبرات متنوعة داخل مصر وخارجها.

استهل المهندس محمد صبحي مسيرته بالشركة المصرية للبتروكيماويات، حيث أمضى ست سنوات أسهم خلالها في صقل خبراته الفنية، وبعدها انتقل إلى شركة قطر للبتروكيماويات، ليكتسب خبرات إقليمية مهمة في تشغيل وإدارة الوحدات الصناعية المتطورة.

ومع عودته إلى مصر، انضم إلى شركة إيبروم (ميدوم سابقاً)، التي شكلت محطة مهمة في مسيرته المهنية، قبل أن يتم اختياره للعمل استشارياً في مجال أجهزة التحكم الآلي ومتابعة المشروعات الجديدة بالتعاون مع شركة UOP الأمريكية العالمية، إحدى أكبر الشركات المتخصصة في تكنولوجيا التكرير والبتروكيماويات.

وخلال هذه المرحلة شارك في تنفيذ ومتابعة مشروعات صناعية كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية والصين وتايلاند والكويت والهند، ما أتاح له الاطلاع على أحدث التقنيات العالمية واكتساب خبرات دولية واسعة في مجالات التشغيل والصيانة وإدارة المشروعات.

وعاد المهندس محمد صبحي إلى مصر ليتولى منصب مدير عام الصيانة بالشركة المصرية للتكرير، بعد فترة قضاها بالمكتب الفني لشركة إيبروم، حيث لعب دوراً محورياً في إدارة الأصول الصناعية والمشاركة في دراسات المخاطر وقابلية التشغيل (HAZOP) لمشروع الشركة المصرية للتكرير، كما شارك في أعمال المراجعة والاعتماد لاختبارات المصنع (FAT) لأنظمة التحكم الآلي الخاصة بالمشروع في كوريا الجنوبية، بالتعاون مع شركة Honeywell العالمية.

وفي نوفمبر 2020، تولى رئاسة شركة الإسكندرية للبترول في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الشركة، حيث كانت تواجه تحديات فنية وإدارية كبيرة تتعلق بكفاءة التشغيل ومنظومات السلامة. واستطاع خلال فترة وجيزة إعادة الانضباط إلى منظومة العمل، وتطوير إجراءات السلامة المهنية، وإعادة تشغيل عدد من الوحدات الحيوية، وفي مقدمتها مجمع الزيوت، ما أعاد للشركة جزءاً كبيراً من قدرتها التشغيلية.

ونتيجة لما حققه من نجاحات، تم تكليفه برئاسة شركة موبكو، ثم شركة أكبا، حيث واصل مسيرة التطوير ومواجهة التحديات المختلفة، قبل أن يتولى رئاسة شركة العامرية لتكرير البترول، ليبدأ واحدة من أبرز محطات الإنجاز في مسيرته المهنية.

وفي العامرية للبترول، وضع رؤية استراتيجية متكاملة ارتكزت على استدامة التشغيل وتعظيم الاستفادة من الأصول وترشيد استهلاك الطاقة وتعزيز ثقافة السلامة والصحة المهنية.

وتحت قيادته نجحت الشركة في إعادة تأهيل وتشغيل وحدة إنتاج الهيدروجين بعد توقف استمر أكثر من ثلاثة عشر عاماً، بما وفر مصدراً استراتيجياً لتغذية وحدات معالجة الزيوت ودعم استقرار العمليات التشغيلية.

كما أشرف على تنفيذ العمرات الدورية لعدد من المجمعات الإنتاجية الحيوية، من بينها مجمع التحسين والعطريات ومجمع معالجة الزيوت بالهيدروجين، وفقاً لأحدث المعايير الفنية العالمية، بما ساهم في رفع كفاءة التشغيل وتعزيز الاعتمادية.

وشهدت الشركة أيضاً تنفيذ برامج واسعة لتطوير الأصول الإنتاجية، شملت تحديث وحدة إنتاج الشمع وإحلال وتجديد الهياكل الخرسانية والمعدنية، إلى جانب تطوير أنظمة التحكم الرقمية الحديثة بوحدات التشغيل المختلفة.

وفي مجال الابتكار وتحسين الأداء، قاد تنفيذ تعديلات فنية مبتكرة أسهمت في إعادة تشغيل معدات كانت خارج الخدمة بوحدة استرجاع الأبخرة، وهو ما حقق وفورات اقتصادية كبيرة وخفض الحاجة إلى استثمارات رأسمالية جديدة.

وعلى صعيد الاستدامة البيئية، تبنى برنامجاً متكاملاً لتطوير شبكة البخار وإحلال العوازل الحرارية المتهالكة، الأمر الذي ساهم في توفير كميات كبيرة من البخار والغاز الطبيعي وخفض الانبعاثات الكربونية، بما يتوافق مع توجهات الدولة نحو الاقتصاد الأخضر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أما في مجال السلامة والصحة المهنية، فقد أولى هذا الملف اهتماماً خاصاً، حيث تم تطوير منظومات الإنذار والإطفاء ورفع كفاءة التدريب والتأهيل للعاملين، لتنجح الشركة في تحقيق نحو عشرة ملايين ساعة عمل آمنة دون إصابات، وهو إنجاز يعكس ترسيخ ثقافة السلامة باعتبارها قيمة مؤسسية أساسية.

ولم تقتصر رؤية المهندس محمد صبحي على الجوانب الفنية والتشغيلية فقط، بل امتدت إلى الاهتمام بالعنصر البشري، إيماناً منه بأن الإنسان هو المحرك الرئيسي لأي نجاح مستدام. لذلك حرص على دعم العاملين وتوفير بيئة عمل محفزة، كما أولى اهتماماً خاصاً بالمشروعات المجتمعية والتنموية التي تخدم المجتمع المحيط بالشركات التي تولى قيادتها.

وعلى مدار مسيرته الطويلة، أثبت المهندس محمد صبحي أن القيادة الحقيقية لا تقاس بعدد المناصب التي يشغلها المسؤول، بل بحجم الأثر الذي يتركه في مواقع العمل التي يقودها. لذلك بات اسمه مرتبطاً بالقدرة على إدارة التحديات وتحويلها إلى فرص للنجاح والتطوير.

واليوم، تمثل مسيرته المهنية نموذجاً مشرفاً للقيادة الوطنية المتخصصة، التي جمعت بين العلم والخبرة والرؤية، وأسهمت بفاعلية في دعم وتطوير صناعة التكرير والبترول في مصر، تاركة بصمة واضحة ستظل شاهدة على سنوات من العطاء والعمل والإنجاز.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط