د عزة سامي تكتب: القوة الناعمة-النشيد الوطني طاقة تتجاوز الحدود
لم يكن مشهد فوز المنتخب المصري على نظيره النيوزيلندي في مدينة فانكوفر الكندية مجرد مباراة كرة قدم عابرة، بل كان لحظة تتجسد فيها فكرة كاملة عن قوة الدول غير المرئية. عندما ارتفع النشيد الوطني المصري، ورفرفت الأعلام، وتعالت الهتافات، لم يكن السؤال: مَن الفائز؟ بل كيف يمكن لبلد أن يحضر بكل هذا الثقل العاطفي والرمزي خارج حدوده، وكأن جزءًا من جيناته الحضارية قد انتقل إلى أرض بعيدة، ليعيد تعريف هويته أمام العالم.
هذا المشهد يجسد تماماً مفهوم القوة الناعمة (Soft Power) الذي صاغه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي؛ ويقصد به قدرة الدولة على التأثير في الآخرين وجذبهم من خلال الثقافة والقيم والصورة الذهنية، وليس فقط من خلال القوة أو الإكراه أو الضغط المادي (منقول).
لقد أصبح المنتخب المصري في تلك اللحظة أحد أدوات القوة الناعمة وبناء الصورة الذهنية الدولية لمصر (Branding Egypt)؛ فلم يكن يقدم مباراة رياضية فقط، بل كان يقدم رسالة عن مصر وشعبها وهويتها. فكل علم يرفرف، وكل صوت يردد النشيد الوطني، بمثابة بطاقة تعريفية عابرة للقارات.
وإذا استدعينا التاريخ المصري، سنجد أن الدولة كانت سبّاقة في توظيف هذه القوة الذكية؛ فقد شكلت سيدة الغناء العربي أم كلثوم نموذجاً فريداً عندما أدركت قوة الفن والدبلوماسية الثقافية في دعم القضايا المصيرية، فجابت العواصم بجولات فنية تاريخية لدعم المجهود الحربي. لقد كان صوتها ومواقفها - رفقة كوكبة من مبدعي مصر - سلاحاً استراتيجياً فاعلاً، تماماً كما أصبحت الرياضة اليوم لغة عالمية موحدة يفهمها الجميع دون ترجمة.
وتؤكد بعض النماذج الدولية المعاصرة أن الهوية والثقافة هما محورا النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين:
فرنسا: يحضر اسمها مقترناً بالفنون، والموضة،
الهند: تتصدر المشهد عبر أفلام بوليوود بموسيقاها وألوانها وقصصها،
اليابان: تفرض حضورها عبر ثقافة "الأنمي" والابتكار التكنولوجي المبهر،
البرازيل: ارتبطت صورتها الذهنية بعبقرية كرة القدم، وصخب الكرنفالات،
كوريا الجنوبية: صنعت حضورًا عالميًا من خلال الموسيقى (K-pop) والدراما التلفزيونية...
ويمكن إسقاط مفهوم القوة الناعمة على قطاع الطاقة والبترول؛ فالدول المنتجة للطاقة اليوم لا تقدم للعالم النفط والغاز فقط، بل تقدم رؤيتها للتنمية، الابتكار، الاستدامة، والمسؤولية البيئية. إنها تبني سمعة دولية قادرة على جذب الاستثمارات والشراكات العالمية.
ختاماً: إن القوة الناعمة هي "بترول العصر الجديد"... مورد سيادي متجدد لا ينضب، وكلما استُثمر فيه زاد تأثيره.
إن قدَّرالله لنا في العمر بقية، فربما لنا في الحياة لقاء .....