الإثنين 25 مايو 2026 الموافق 08 ذو الحجة 1447

د جمال القليوبي يكتب: مهندس البترول المصري…بين النمطية والعالمية

85
المستقبل اليوم

 

منذ أن ظهر البترول بكميات اقتصادية في الأراضي المصرية مع بدايات ستينيات القرن الماضي، بدأت ملامح جيل جديد من المهندسين والشباب المصري تتشكل على أرض الواقع، جيل ارتبط منذ بداياته بالخبرات الأوروبية التي جاءت إلى مصر مع شركات النفط العالمية، فكانت إيطاليا ممثلة في شركة أجيب، وإسبانيا عبر ريبسول، وهولندا من خلال شل، وغيرها من الشركات التي حملت معها علوم هندسة البترول الحديثة وأساليب الإدارة والتشغيل والصيانة المتقدمة للآبار والخزانات. وفي تلك المرحلة أدركت الدولة المصرية بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أن صناعة البترول لا يمكن أن تقوم فقط على الثروة الطبيعية والخبرة الأجنبية، وإنما على بناء الإنسان المصري القادر على إدارتها، فكان إنشاء المعهد العالي للبترول في السويس وهندسة بترول القاهرة خطوة تاريخية صنعت الفارق الحقيقي في مستقبل قطاع البترول المصري.

وقد حرصت الدولة آنذاك على الاستعانة بأساتذة وخبراء أجانب لوضع مناهج معاصرة في علوم الجيولوجيا وهندسة الحفر والإنتاج وهندسة الخزانات، بما يتماشى مع أحدث ما وصلت إليه الصناعة عالمياً. ولم تكتفِ مصر بذلك، بل أرسلت أعداداً كبيرة من المهندسين في بعثات علمية إلى روسيا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، حيث درسوا علوم هندسة البترول المختلفة على أيدي كبار العلماء والمبتكرين في مجالات هندسة الخزانات وحفر الآبار والإنتاج. وعاد هؤلاء ليصبحوا فيما بعد نواة حقيقية لتأسيس مدارس بترولية علمية مصرية في القاهرة والأزهر والسويس، وليتخرج على أيديهم جيل كامل من المهندسين الذين حملوا راية تطوير قطاع البترول في السبعينيات والثمانينيات.

وقد ساهم هؤلاء المهندسون في بناء منظومة قوية للشراكة بين الحكومة المصرية والشركات الأجنبية، ليس فقط في عمليات البحث والاستكشاف، بل أيضاً في صياغة اتفاقيات التنمية والاستغلال والتشغيل والصيانة، وهي الاتفاقيات التي حافظت لعقود طويلة على توازن المصالح بين الدولة والشريك الأجنبي. كما لعبت الشركات المشتركة دوراً محورياً في تطوير المهندس المصري، إذ التزمت بعقود التدريب والتثقيف وإرسال الكفاءات الشابة إلى أفضل مراكز التدريب العالمية، حيث احتك المهندس المصري بأحدث التكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة، وعاد ليطبقها داخل مناطق الامتياز المصرية بروح من الانتماء والإبداع.

ومع مرور الوقت، لم يعد المهندس المصري مجرد متلقٍ للخبرة الأجنبية، بل أصبح منافساً حقيقياً للخبراء العالميين داخل الشركات الكبرى، وظهرت قدرته على الابتكار وحل المشكلات المعقدة المتعلقة بالخزانات والإنتاج والحفر. كما أتاحت فترات الإعارة والعمل مع الشركاء الأجانب في الخارج فرصاً واسعة للمهندسين المصريين لاكتساب خبرات دولية متنوعة، وتحسين أوضاعهم المالية والاجتماعية، والتعامل مع مدارس مختلفة في الإدارة والتشغيل، الأمر الذي ساهم في صناعة قيادات بترولية مصرية تمتلك رؤية عالمية وخبرة ميدانية متراكمة.

وفي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأت مصر تحصد ثمار هذا الاستثمار في الإنسان، فبرزت أسماء عملاقة في قطاع البترول المصري، رحم الله من رحل منهم وأطال عمر من بقي، مثل المهندس هلال، والدكتور حمدي البمبي، والدكتور فاروق قناوي، والمهندس إسماعيل الشافعي، والدكتور مصطفى شعراوي، والمهندس حامد الأحمدي، والمهندس إبراهيم صالح، وممدوح محفوظ، وغيرهم الكثيرون ممن قادوا مرحلة فارقة في تاريخ الصناعة المصرية. فقد نجح هؤلاء في رفع معدلات إنتاج الزيت الخام، والتوسع في اكتشافات الغاز الطبيعي، وفتح آفاق العمل في المياه العميقة، ووضع أسس تجميع ونقل الغاز الطبيعي، مستفيدين من خبراتهم العلمية والإدارية وقدرتهم على التعامل الناجح مع مختلف الشركاء الأجانب.

واستمرت الأجيال التالية من خريجي بترول السويس والقاهرة والأزهر على النهج ذاته، حيث استمرت الشركات في إرسال المهندسين إلى الخارج للتدريب والإعارات، بما وفر لهم دخلاً إضافياً يساعدهم على تلبية التزاماتهم العائلية، وفي الوقت نفسه حافظ على ولائهم للقطاع المصري، ورفع كفاءة الخزانات وتقليل مصروفات الحفر والصيانة وتحسين الإنتاج.

إلا أن الصورة بدأت تتغير بصورة ملحوظة خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة، حين تراجع الاهتمام بالتدريب الخارجي وتم استبداله بتدريب محلي محدود التأثير، تشرف عليه شركات محلية أو محاضرون يأتون لفترات قصيرة دون توفير البيئة الكاملة التي تخلق حالة من التفرغ والانفتاح الفكري لدى المهندس. فالمهندس الذي يسافر للتدريب بالخارج لا يحصل فقط على معلومة علمية، بل يكتسب ثقافة عمل جديدة ورؤية مختلفة للحياة والإدارة والتكنولوجيا.

وفي الوقت ذاته توقفت إلى حد كبير فرص الإعارات الخارجية، وأصبحت الإجازات الممتدة تُمنح أحياناً وفق اعتبارات غير مهنية، بينما اضطر كثير من المهندسين إلى الاستقالة إذا أرادوا خوض تجربة عمل خارجية. كما تزامن ذلك مع ضعف واضح في تحديث مناهج كليات هندسة البترول والغاز، رغم تضاعف عدد الجامعات التي تُخرج سنوياً ما يزيد على ألف مهندس، في ظل نقص واضح في تطوير أعضاء هيئة التدريس وربطهم بالتكنولوجيا الحديثة والتطبيقات العالمية.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المناخ هي سيطرة حالة من الرتابة والنمطية على صناعة القرار داخل بعض شركات القطاع، الأمر الذي أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من الكفاءات المصرية إلى الإمارات والسعودية وقطر والعراق والجزائر، تاركين فجوة واضحة في الكوادر والخبرات داخل القطاع المصري.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً سريعاً ومدروساً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر تشكيل لجنة متخصصة من كبار خبراء القطاع لمراجعة وتحديث مناهج هندسة البترول والغاز في الجامعات المصرية، وربطها بالتكنولوجيات الحديثة التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية. كما يجب إعادة النظر في نظام الإجازات والإعارات، بما يسمح للمهندس المصري بالعمل لفترات محددة داخل شركات عالمية ثم العودة محملاً بالخبرات والمعرفة الحديثة.

كذلك ينبغي أن تعود فلسفة التدريب الخارجي باعتبارها استثماراً حقيقياً في العقول، وليس مجرد بند مالي يمكن الاستغناء عنه. فقطاع البترول المصري يقف اليوم أمام تحديات عالمية ضخمة تتطلب مهندساً يمتلك رؤية عالمية، لا موظفاً أسيراً للنمطية والروتين.

إن مستقبل قطاع البترول المصري لن يصنعه إلا مهندس شاب يشعر بالانتماء الحقيقي لمهنته وبلده، ويحظى بالتقدير العلمي والإنساني والمهني. فالمهندس المصري كان دائماً قادراً على الوصول إلى العالمية عندما توفرت له البيئة المناسبة، وما زال قادراً على استعادة هذا الدور إذا عادت الدولة والقطاع إلى الإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان…وإلى تكملة قادمة.
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط