وائل عطية يكتب: الوصول المتأخر… البترول والتعدين والقفز خارج الحدود.
في عالم الطاقة قد يكون التأخر في اتخاذ القرار مكلفًا لكنه يظل أفضل من الغياب الكامل عن المشهد. فالبدايات المتأخرة لا تعني بالضرورة نتائج ضعيفة، بل قد تعكس أحيانًا نضجًا في الرؤية واستيعابًا أعمق لتعقيدات الواقع.
لم يعد التمسك بالأنماط التقليدية كافيًا في قطاع يتغير بوتيرة متسارعة مثل البترول والطاقة. فالقيمة الحقيقية اليوم لا تُصنع بتكرار ما اعتدنا عليه، بل بالقدرة على الابتكار والتحرك خارج الأطر المعتادة. النيل يجري في مجراه منذ آلاف السنين لكنه ظل دومًا في حاجة إلى إدارة رشيدة حتى يبقى مصدرًا للحياة لا عبئًا عليها.
في هذا السياق جاءت موافقة الحكومة المصرية على تعديلات اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية بما يسمح للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية بإنشاء شركات أو المساهمة في كيانات تعمل في البحث والتنقيب خارج حدود الدولة. وهي خطوة تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة الموارد من التركيز على الداخل فقط إلى السعي لتعظيم العائد عبر التوسع الدولي.
وتزامن ذلك مع زيارة رسمية يقوم بها المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية إلى الجزائر على رأس وفد رفيع من قيادات القطاع في خطوة تعكس جدية التوجه نحو بناء شراكات استراتيجية مع دول المنطقة. ويؤكد الاستقبال الرسمي للوفد المصري من الجانب الجزائري أن العلاقات بين البلدين مرشحة للدخول في مرحلة أكثر عمقًا خاصة في قطاع البترول.
ولم يُفَوّت وزير الطاقة الجزائري الفرصة حيث دعا الشركات لاسيما المصرية إلى اغتنام فرص الاستثمار المتاحة في الجزائر والمشاركة في المزايدة الدولية - Algeria Bid Round 2026- ، التي تنظمها الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات، بمساهمة فعالة من مجمع سوناطراك.
وتمثل هذه المزايدة فرصة جديدة يجب ألا تُهدر كما حدث سابقًا مع فرص العراق ومزايدات ليبيا ونيجيريا التي لم يتم استثمارها بالشكل الذي يليق بإمكانات قطاع البترول المصري.
لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل نحن أمام صحوة متأخرة لكنها حقيقية؟
المؤشرات تدعو للتفاؤل خاصة أن التوسع في المحيط العربي والإقليمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية. فالفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك من المنتجات البترولية تمثل عبئًا متزايدًا على الميزان التجاري وتستنزف جزءًا كبيرًا من موارد النقد الأجنبي بما ينعكس سلبًا على قدرة الدولة في دعم قطاعات أخرى تحتاج إلى استثمارات عاجلة.
اللافت أن الفرص لم تكن غائبة في الماضي. ففي تسعينيات القرن الماضي عرضت الجزائر على مصر منطقة امتياز واعدة، بل تم بالفعل إيجاد شريك دولي لقيادة عمليات البحث والتمويل قبل أن تتوقف الخطوة دون تفسير واضح. واليوم تنتج هذه المنطقة نحو 250 ألف برميل يوميًا. كما قدمت العراق عروضًا مماثلة لتطوير حقولها مقابل منح مناطق إنتاجية ذات احتياطيات كبيرة لكنها أيضًا لم تُستكمل.
هذه الوقائع تمثل تذكيرًا واضحًا بأن الفرص التي لا تُستغل تتحول إلى مكاسب للآخرين.
في المقابل شهد قطاع البترول المصري داخليًا قدرًا من الاستقرار خلال السنوات الأخيرة مدعومًا بسداد مستحقات الشركاء وتسريع وتيرة إسناد مناطق الامتياز مما ساهم في تنشيط عمليات البحث والاستكشاف. كما عززت الترتيبات اللوجستية لاستيراد الغاز من شرق المتوسط من مرونة منظومة الإمدادات.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها لم تعد كافية بمفردها.
فالمرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا واضحًا من إدارة الموارد إلى توسيع النفوذ الاقتصادي خارج الحدود. وهنا يبرز الدور الحيوي لشركات قطاع البترول المصري سواء في مجالات البحث والإنتاج أو خدمات الحقول والتي تمتلك خبرات متراكمة وكوادر بشرية مؤهلة إلى جانب علاقات ممتدة مع شركاء دوليين.
إن تفعيل هذه القدرات في أسواق إقليمية واعدة يمكن أن يشكل فارقًا حقيقيًا في دعم الاقتصاد الوطني وتخفيف الضغط على الموارد المحلية.
الآمال معقودة على المهندس كريم بدوي الوحيد القادر على ترجمة هذا التوجه إلى نتائج ملموسة مستفيدة من أدوات الدولة السياسية والاقتصادية لفتح آفاق جديدة خارج الحدود.
قد يكون الوصول متأخرًا… لكنه هذه المرة يحمل ملامح الجدية.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح الآن ليس لماذا تأخرنا، بل:
كيف نضمن ألا تتحول هذه الفرصة إلى حلقة جديدة في سلسلة الفرص الضائعة؟