د جمال القليوبي يكتب: أسعار النفط…قراءة في سيناريو التفاوض وما بعد الحرب !!
قد يبدو من المنطقية في تداول أسواق النفط ان يفترض عندما تتوقف الحرب تبدأ الاسعار في الهبوط لكن الواقع الحالي في الحرب الأمريكية الاسرائيلية علي ايران والتداعيات الملحقة علي منطقة الخليج العربي ، حيث تشير الي سيناريو مختلف تمامًا، حيث يُرجح أن تستقر الأسعار في نطاق مرتفع يتراوح بين 90 إلى 100 دولار للبرميل، حتى مع توقف العمليات العسكرية. والذهاب الي مرحلة التفاوض حاليا إلا ان هذا الطرح يستند إلى مجموعة من العوامل الجيوسياسية والفنية والاقتصادية التي تعيد تشكيل معادلة العرض والطلب في المدى المتوسط.
أول هذه العوامل وأكثرها تأثيرًا يتمثل في الوضع المعقد لمضيق هرمز والدور الحيوي لتدفق نحو ٥٠ % من إمدادات منظمة أوبك وهذا ما التقارير تشير إلى احتمالية قيام الجانب الإيراني بزرع ألغام بحرية في أجزاء من المضيق خلال فترة التصعيد، وهو ما يعني أن إعادة فتحه بشكل آمن لن تكون عملية فورية، بل ستتطلب عمليات تمشيط وتطهير معقدة قد تمتد لأسابيع أو حتى أشهر. وخلال هذه الفترة، ستظل حركة الملاحة مقيدة أو محفوفة بالمخاطر، مما يدفع شركات الشحن إلى رفع تكاليف النقل، ويزيد من علاوات التأمين البحري وهو ما ينعكس مباشرة على سعر البرميل.
العامل الثاني يتمثل في الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في عدد من الدول الخليجية والعربية. فالدول المنتجة الرئيسية مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق تعرضت – بدرجات متفاوتة – لأضرار في منشآت الإنتاج أو التصدير أو التخزين. هذه الأضرار، حتى وإن كانت جزئية، تحتاج إلى وقت وجهد واستثمارات لإعادة تأهيلها، وهو ما يعني أن الطاقة الإنتاجية الفعلية ستظل أقل من مستوياتها الطبيعية لفترة غير قصيرة. وبالتالي، فإن المعروض العالمي من النفط سيبقى محدودًا نسبيًا، مما يدعم بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة.
أما العامل الثالث، فيرتبط بالسلوك المتوقع لإيران في مرحلة ما بعد الحرب. فمن المرجح أن تسعى طهران إلى تعظيم مكاسبها الاستراتيجية والاقتصادية عبر فرض نوع من الرسوم أو القيود التنظيمية على مرور السفن عبر المضيق، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وحتى في حال عدم الإعلان الرسمي عن “رسوم عبور”، فإن مجرد استمرار التوتر السياسي سيؤدي إلى بقاء تكاليف التأمين والشحن عند مستويات عالية، نتيجة تصنيف المنطقة كممر عالي المخاطر. وهذا يعني أن تكلفة نقل النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية ستظل مرتفعة، وهو ما يُترجم في النهاية إلى سعر أعلى للبرميل.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال تأثير ما يُعرف بـ “العلاوة الجيوسياسية”وهي القيمة الإضافية التي يضيفها السوق إلى سعر النفط نتيجة عدم اليقين. فحتى بعد توقف العمليات العسكرية، سيظل المستثمرون والمتعاملون في السوق يتوجسون من احتمالات تجدد التوتر أو وقوع حوادث أمنية في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج. هذه الحالة من الحذر تدفع إلى الاحتفاظ بمخزونات أعلى، وإبرام عقود بأسعار مستقبلية مرتفعة، مما يخلق أرضية سعرية صلبة يصعب كسرها سريعًا.
كما أن تعافي سلاسل الإمداد لن يكون فوريًا. فإعادة تشغيل الحقول، وخطوط الأنابيب، وموانئ التصدير، تحتاج إلى تنسيق فني وأمني ولوجستي معقد، فضلًا عن اختبار سلامة المعدات والبنية التحتية. وخلال هذه الفترة الانتقالية، سيظل العرض أقل من الطلب، خاصة في ظل استمرار احتياجات الاقتصاد العالمي من الطاقة، وعدم قدرة البدائل المتجددة على سد الفجوة في الأجل القصير.
من ناحية أخرى، قد تستفيد بعض الدول المنتجة خارج منطقة الأزمة – مثل الولايات المتحدة ودول غرب أفريقيا والبرازيل وأنجولا واندونيسا والسينغال من ارتفاع الأسعار، لكنها لن تكون قادرة على تعويض الفاقد في الإمدادات الخليجية بشكل كامل أو سريع، نظرًا لقيود الإنتاج والاستثمارات. وهو ما يعزز فكرة بقاء السوق في حالة شح نسبي.
خلاصة القول، إن توقف الحرب لا يعني بالضرورة عودة فورية إلى أسعار النفط المنخفضة. فهناك مجموعة مركبة من العوامل – على رأسها تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وإصلاح البنية التحتية المتضررة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واستمرار التوتر الجيوسياسي – ستبقي أسعار النفط في نطاق مرتفع قد يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل في المدى القريب والمتوسط. وهو سيناريو يفرض على الدول المستهلكة إعادة النظر في سياساتها الطاقوية، وعلى الدول المنتجة العمل بسرعة وكفاءة لاستعادة قدراتها الإنتاجية، في سوق بات أكثر حساسية لأي اضطراب جيوسياسي من أي وقت مضى.