الأحد 29 مارس 2026 الموافق 10 شوال 1447

د شيرين أبو خليل تكتب: حرب الشاشات المسمومة ومعركة الوعي

153
المستقبل اليوم

في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالسلاح، أصبح الإعلام أحد أخطر أدوات التأثير والهدم والتشويه، بل ربما يفوق في أثره أحيانًا أي مواجهة مباشرة، لأنه يستهدف العقول والوعي والانتماء.

لم يعد الوطن يُستهدف فقط عبر الحدود، ولا تُشن عليه الحروب فقط بالمدافع والطائرات، بل أصبحت هناك حروب أكثر خبثًا وأشد خطرًا… حروب تستهدف العقل قبل الأرض، والوعي قبل المؤسسات، والانتماء قبل أي شيء آخر.
إنها حروب الإعلام المعادي الخارجي، الذي لا ينام، ولا يهدأ، ولا يتوقف عن بث السموم في العقول، ومحاولة كسر الروح الوطنية، وزرع الشك والإحباط في النفوس.

هذا الإعلام لا ينقل الحقيقة، بل ينتقي منها ما يخدم غرضه، ويُضخم ما يريد، ويُخفي ما لا يناسب روايته، ويصنع من الأكاذيب قنابل يومية تُلقى على وعي الشعوب ليل نهار.

إنه لا يكتفي بتشويه الإنجازات، بل يسعى إلى إقناع المواطن بأن وطنه لا يستحق الحب، وأن كل محاولة للبناء عبث، وأن كل نجاح مجرد وهم، وأن الهدم هو الحقيقة الوحيدة.

ومن هنا، لم يعد الدفاع عن الوطن مسؤولية المؤسسات وحدها، بل أصبح واجبًا وطنيًا على كل مواطن يحب بلده ويحرص على استقرارها وصورتها ومستقبلها.

إن الإعلام المعادي الخارجي لا يعمل غالبًا من منطلق البحث عن الحقيقة، بقدر ما يسعى إلى تضخيم السلبيات، وتزييف الوقائع، وبث الإحباط، وإشعال الفتن، وإضعاف الثقة بين المواطن ودولته.
وهو لا يهاجم فقط السياسات أو القرارات، بل يحاول في كثير من الأحيان تشويه الإنجازات، وطمس النجاحات، وضرب الروح الوطنية من الداخل.

الوعي هو خط الدفاع الأول:-

أول وأهم وسيلة للتصدي لهذا النوع من الإعلام هي الوعي.
فليس كل ما يُقال أو يُنشر أو يُتداول على المنصات المختلفة صحيحًا، وليس كل من يتحدث باسم الحرية أو المهنية أو كشف الحقائق صادقًا في نواياه.

المواطن الواعي لا ينجرف خلف العناوين المستفزة، ولا يشارك المقاطع المفبركة أو الأخبار غير الموثقة، ولا يسمح لأحد أن يستخدم مشاعره أو غضبه أو قلقه كأداة لاختراق وعيه.
بل يتوقف، ويفكر، ويسأل:
من قال هذا؟ ولماذا قاله الآن؟ وما الهدف من نشره بهذه الطريقة؟

إن أخطر ما في الإعلام المعادي أنه لا يعمل وحده، بل يبحث دائمًا عن من يردد رسائله، وينقل سمومه، ويُكمل مهمته من الداخل دون أن يشعر.

عدم الترويج للشائعات.. مسؤولية وطنية:-

أخطر ما يفعله بعض الناس دون قصد، أنهم يتحولون إلى وسائل نقل مجانية للشائعات.
مجرد مشاركة خبر كاذب أو منشور مضلل أو فيديو مجهول المصدر، قد يساهم في نشر البلبلة، وإثارة الذعر، وإرباك الرأي العام.

من حب الوطن أن نتعلم أن ليس كل ما يصل إلينا يستحق النشر، وأن التثبت من المعلومات لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية وأخلاقية.

فالكلمة اليوم قد تبني وعيًا… وقد تهدم وطنًا إذا خرجت بلا مسؤولية.

الثقة لا تعني السذاجة.. والنقد لا يعني الخيانة:-

من المهم أن نفهم أن التصدي للإعلام المعادي لا يعني أن نغلق أعيننا عن المشكلات، أو نرفض أي نقد، أو نُصادر حق الناس في السؤال والمحاسبة.
بل على العكس، الوطن القوي هو الذي يواجه مشكلاته بصدق، ويصحح أخطاءه بشجاعة، ويحمي نفسه من التلاعب الخارجي بوعي داخلي ناضج.

هناك فرق كبير بين النقد الوطني المخلص الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطاب العدائي الموجّه الذي يهدف إلى الهدم والتشويه.
الأول نحتاجه لننهض، والثاني يجب أن ننتبه ونتصدى له.

ادعموا الرواية الصادقة:-

في مواجهة الضخ الإعلامي الخارجي، لا يكفي فقط أن نرفض أو نستنكر، بل يجب أيضًا أن ندعم الكلمة الصادقة، والمعلومة الدقيقة، والمحتوى الوطني المسؤول.
فكل مواطن اليوم يملك منبرًا صغيرًا عبر هاتفه وحساباته على مواقع التواصل، ويمكنه أن يكون عنصر بناء لا عنصر هدم.

حين ننشر الحقيقة، ونُبرز الإنجازات، ونتحدث بإنصاف، ونرد بالحجة لا بالصوت العالي، فإننا نشارك فعليًا في حماية الوعي العام.
فالوطن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عنه عند الأزمات، بل إلى من يحرس صورته ووعيه كل يوم.

الشباب.. الهدف الأول والأمل الأكبر:-

لا شك أن الشباب هم الفئة الأكثر استهدافًا من الإعلام المعادي، لأنهم الأكثر استخدامًا للمنصات الرقمية، والأكثر تعرضًا للمحتوى السريع، والأكثر تأثرًا بالحملات المنظمة أحيانًا.

ولهذا فإن تحصين الشباب بالفكر والوعي والانتماء أصبح ضرورة قصوى.

نحن لا نريد شبابًا يردد الشعارات فقط، بل نريد شبابًا يفهم، ويميز، ويفكر، ويسأل، ويحلل، ويرى الصورة كاملة.
فالوطن لا يحميه فقط من يحبونه، بل يحميه أيضًا من يفهمون كيف يُستهدف.

حب الوطن موقف يومي:-

الوطنية ليست مجرد كلمات تُقال في المناسبات، ولا منشورات عاطفية عند الأزمات، بل هي سلوك يومي وموقف دائم.
أن تحب وطنك يعني أن تكون واعيًا، ومسؤولًا، ومنصفًا، وحريصًا على الحقيقة، ورافضًا للتضليل، ومدافعًا عن الاستقرار دون تعصب أو انغلاق.

وفي معركة الوعي التي نعيشها اليوم، فإن كل مواطن شريف يمكنه أن يكون جنديًا في حماية بلده، ليس بالسلاح، بل بالعقل، والكلمة، والضمير، والانتماء.

كم مرة شارك البعض فيديو مفبركًا؟
كم مرة أعادوا نشر شائعة تحت شعار “مش عارف إذا كانت صح ولا لأ”؟
كم مرة تحول الغضب المشروع من مشكلة ما إلى وقود مجاني لمنصات هدفها إسقاط الثقة، لا إصلاح الواقع؟

وختاما:-

إن الإعلام المعادي الخارجي قد يملك أدوات متطورة، وخططًا ممنهجة، وأساليب خبيثة، لكنه لن ينجح أبدًا أمام شعب واعٍ يعرف قيمة وطنه، ويدرك حجم التحديات، ويتمسك بالحقيقة والانتماء.

فحماية الأوطان لم تعد فقط على الحدود…
بل أصبحت أيضًا على شاشات الهواتف، وصفحات التواصل، وداخل العقول.

ولهذا، فإن واجبنا كمواطنين نحب بلدنا، هو أن نكون حراسًا للوعي، لا وقودًا للشائعات…
وأن نثبت دائمًا أن الوطن الذي يسكن القلوب لا تهزمه الأكاذيب.

من يحب وطنه حقًا، لا يسمح لنفسه أن يكون ممرًا للأكاذيب، ولا ناقلًا للفوضى، ولا بوقًا لمن يتربصون ببلده.
ليس كل ما يُنشر يستحق التفاعل، وليس كل ما يُقال يستحق التصديق، وليس كل من يصرخ على الشاشات أو المنصات صادقًا أو نزيهًا أو مهنئًا.

في النهاية، علينا أن نتذكر دائمًا:
ليس كل من يهاجم وطنك شجاعًا…
وليس كل من يُشكك في بلدك حرًا…
فبعض الأصوات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن سقوطك.

ولهذا، فإن واجبنا اليوم ليس فقط أن نحب بلادنا…
بل أن نحرسها من الكلمة المسمومة، والخبر المفبرك، والوعي المختطف.

لأن الوطن الذي نحبه…
لن نتركه فريسة لأكاذيب الخارج، ولا ضحية لسموم الإعلام المعادي.




تم نسخ الرابط