الأحد 15 مارس 2026 الموافق 26 رمضان 1447

لطائف و قطائف … سمير زايد (25)

66
المستقبل اليوم

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
يحتل الدعاء مكانة عظيمة في القرآن الكريم، حتى وصفه العلماء بأنه روح العبادة ولبّها. فالدعاء ليس مجرد طلبٍ للحاجات، بل هو تعبير صادق عن افتقار العبد إلى ربه، وإقرارٌ بأن الله وحده مالك النفع والضر.
يقول النبي ﷺ إن الدعاء هو مخّ العبادة، أي لبّها وأعظم ما فيها؛ لأن جوهر العبادة هو إظهار الافتقار إلى الله.
فالإنسان حين يدعو يعترف بثلاث حقائق كبرى: أن الله قادر على كل شيء.وأنه وحده يملك العطاء والمنع. وأن العبد محتاج إلى رحمته.
ولهذا قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: “الدعاء يتضمن غاية الذل من العبد، وغاية العزة من الرب.”
فالعبد في الدعاء يقف بين يدي الله مجردًا من قوته، معترفًا بفقره الكامل إليه.
الدعاء عبادة الأنبياء القرآن مليء بدعوات الأنبياء، وكأن الله يريد أن يعلّم عباده أن طريق القرب منه يبدأ بالدعاء.
فهذا إبراهيم يقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ، وهذا موسى يناجي ربه قائلاً: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ‘ وهذا زكريا يرفع يديه في شيخوخته قائلاً: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ كلهم توجهوا إلى الله بالدعاء في أوقات الضعف والحاجة. فكان الدعاء لغة الأنبياء مع ربهم.
من أعظم الأوقات التي يزداد فيها أثر الدعاء شهر رمضان، ولهذا جاءت آية الدعاء وسط آيات الصيام في سورة البقرة. فالصيام يطهّر القلب، ويضعف سلطان الشهوة، ويقرب العبد من ربه. ولهذا قال بعض العلماء: “القلب إذا صفا بالصيام، صار الدعاء فيه أصدق وأقرب إلى الإجابة.”
يشير عدد من المفسرين إلى أن الآية ذكرت مادة الدعاء والاستجابة مرات متعددة، في صورة متقاربة المعنى:
• سألك
• أجيب
• دعوة
• الداع
• دعان
وهذا التكرار ليس حشوًا لغويًا، بل هو تأكيد متتابع على قرب الله من عباده واستعداده للإجابة. يقول الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: “كثرة ذكر الدعاء في هذه الآية دليل على عظيم عناية الله تعالى بأمر الدعاء، وتنبيه العباد على أنه باب القرب منه سبحانه.”
فكأن الآية تقول للعبد:لا تتردد…ولا تيأس…ولا تظن أن دعاءك يضيع.
رمضان كريم




تم نسخ الرابط