لطائف و قطائف .. سمير زايد(22)
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
تأملات في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾
حين يختم الله تعالى أحكام الصيام في الآية ، لا يوجّه القلوب إلى الفرح بالطاعة فحسب، بل يرفعها إلى مقامٍ أعلى: مقام تعظيم الله. يقول تعالى:
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وكأن هذه الكلمات هي التاج الذي توضع به عبادة الصيام؛ فالصيام مجاهدة، والقيام خشوع، والذكر نور… لكن النهاية التي يريدها القرآن هي أن يمتلئ القلب بعظمة الله حتى يفيض اللسان بالتكبير.
فما سرّ هذا التكبير؟ ولماذا جعله الله خاتمةً للصيام؟
يقول الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن:
“معنى قوله ولتكبروا الله: لتعظّموا الله بالذكر والثناء، على ما هداكم لصيام شهر رمضان ووفقكم لإتمام عدته.”
فالتكبير هنا ليس تعظيمًا للعمل، بل تعظيمٌ لله الذي وفّق للعمل.
إن القرآن يعلّم المؤمن أدبًا دقيقًا؛ فالعبد قد يظن أن صيامه ثمرة عزيمته، أو قيامه نتيجة قوته، لكن الآية تردّ الفضل إلى أصله: الهداية من الله.
ولهذا لم يقل سبحانه: ولتكبروا الله على ما صمتم بل قال: ﴿على ما هداكم﴾.
فالطاعة نفسها هداية، والهداية أعظم من العمل.
ويشير الإمام ابن كثير في كتابه تفسير القرآن العظيم إلى أن هذه الآية أصلٌ في مشروعية التكبير عند إكمال عدة رمضان، فيقول:
“ولهذا شُرع التكبير عند إكمال العدة، تعظيمًا لله وشكرًا له على ما هدى إليه من الصيام.”
ومن هنا جاءت سنة التكبير ليلة العيد ويومه؛ فترتفع الأصوات في المساجد والطرقات والبيوت:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
لكن الحقيقة أن هذه الكلمات ليست مجرد شعيرة صوتية؛ إنها شهادة جماعية للأمة بأن الفضل كله لله.
فالصائم حين يكبر لا يقول: لقد صمت. بل يقول: الله أكبر الذي هداني للصيام.
ويقول الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن:
“المقصود بالتكبير تعظيم الله تعالى وإجلاله، وإظهار شكر نعمته في الهداية للطاعة.”
فالتكبير في حقيقته حالة قلبية قبل أن يكون لفظًا.إنه شعور عميق بأن الله أعظم من كل شيء:
أعظم من الشهوة التي تركتها. وأعظم من التعب الذي صبرت عليه. وأعظم من الدنيا التي تزاحم القلب.
ولهذا قال بعض السلف: “ما قال عبدٌ الله أكبر صدقًا إلا صغر في عينه كل شيء دون الله.”
نستكمل فى الحلقة القادمة بعون الله وفضله
رمضان كريم