الأحد 08 مارس 2026 الموافق 19 رمضان 1447

أمل طنطاوي...من أزمة الغاز إلى حسابات الحرب…الاختبار مستمر

112
المستقبل اليوم

في أوقات الأزمات الحقيقية تظهر الأدوار الخفية التي لا يراها كثيرون، تلك التي لا تقف أمام الكاميرات ولا تتصدر العناوين، لكنها تمسك بخيوط المشهد كله. وفي قطاع بحجم قطاع البترول، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع اعتبارات الأمن القومي وتوفير احتياجات ملايين المواطنين، تصبح القيادة المالية هي خط الدفاع الأول… أو إن شئنا الدقة، هي من تقف دائمًا أمام فوهة المدفع.

فالسيولة هنا ليست مجرد أرقام في دفاتر أو بنود في موازنة، بل هي شريان حياة يضمن استمرار تدفق المنتجات البترولية والغاز، حتى لا ينطفئ مصباح في بيت، ولا يتوقف مصنع عن العمل، ولا تقف سيارة في عرض الشارع.

ربما هذه هي الصورة التي يمكن من خلالها فهم الدور الذي تؤديه السيدة أمل طنطاوي، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول للشؤون المالية والاقتصادية، وهي واحدة من أكثر المواقع حساسية وتعقيدًا داخل منظومة القطاع.

فمنذ أن جاءت إلى هذا الموقع، لم تعرف المنطقة التي تجلس عليها معنى الهدوء، كأن الأزمات قررت أن تتوالى دون توقف، وكأن القدر اختار أن تختبر هذه السيدة في أصعب الفترات التي مر بها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

بدأت الملفات الثقيلة تتراكم واحدًا تلو الآخر، أزمة الغاز، والضغوط المرتبطة بتوفير الإمدادات، وحسابات الاستيراد، وترتيبات مراكب التغييز، وتدبير السيولة اللازمة لكل ذلك في توقيتات شديدة الحساسية. كانت كل خطوة تحتاج إلى قرار مالي دقيق، وكل قرار كان يحمل في طياته مسؤولية كبيرة.

ثم لم تكد تلك الموجة تهدأ حتى جاءت ملفات أخرى لا تقل صعوبة: الجمعيات العمومية للشركات، تسويات الأرباح، المعاش التكميلي، ملفات العلاج، ومستحقات العاملين، وهي ملفات قد تبدو إدارية هينةً في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى توازن شديد بين الإمكانات المتاحة والالتزامات القائمة.

وفي خضم كل ذلك، لم يكن العالم خارج هذه الدائرة أكثر هدوءًا، فدوائر الصراع تشتعل في أكثر من مكان، والشرق الأوسط يظل دائمًا هو المنطقة الأكثر تأثيرًا على معادلات الطاقة، ومع اندلاع الحرب الإيرانية، دخلت الحسابات مرحلة جديدة تمامًا؛ مرحلة لا يعرف أحد مداها ولا نهايتها، لكنها بالتأكيد تحمل أعباء مالية إضافية وضغوطًا جديدة على كل منظومة الطاقة.

وهنا تجد القيادة المالية نفسها مرة أخرى في قلب العاصفة، فالحرب تعني أسعارًا متقلبة، وسلاسل إمداد مضطربة، واحتياجات تمويل أكبر، وقرارات يجب أن تُتخذ بسرعة، لكن بحسابات دقيقة للغاية، وفي وسط هذه المعادلة تقف مالية الهيئة بقيادة أمل طنطاوي، تحاول أن توازن بين كل هذه المتغيرات دون أن يتأثر استقرار السوق أو احتياجات المواطنين.

وسط هذا المشهد كله تقف أمل طنطاوي في المنتصف، كمن يقف في غرفة محركات ضخمة لا يجوز لها أن تتوقف ولو للحظة واحدة. تدير الأرقام، وتراجع الحسابات، وتبحث عن حلول لكل فجوة قد تظهر فجأة في لحظة غير متوقعة.

لكن مثل هذه المواقع لا تترك أثرها على الورق فقط، بل تترك أثرها أيضًا على أصحابها، فالضغوط اليومية، وكثرة الملفات، والمسؤوليات التي لا تنتهي، كلها أمور تترك بصمتها على ملامح الإنسان، وكثيرون ممن يلتقون بها اليوم يلاحظون أن السنوات القليلة الماضية لم تمر مرورًا عاديًا عليها؛ فقد تغيرت ملامحها قليلًا، وظهرت آثار الإرهاق التي لا تخطئها العين. ليس لأن المهمة أكبر منها، ولكن لأن حجم المسؤولية ثقيل، وحملها ليس بالأمر السهل.

ومع ذلك، تبقى هذه السيدة واقفة في موقعها، تمارس دورها بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، وبإيقاع يعرفه كل من يعمل في الدوائر المالية الصعبة: عمل مستمر، وقرارات دقيقة، ومحاولة دائمة للحفاظ على توازن معادلة معقدة.

قد لا يعرف كثيرون تفاصيل ما يجري داخل مكاتب المالية في الهيئة، لكن المؤكد أن هذه الغرفة هي واحدة من أكثر الغرف أهمية في إدارة القطاع، ومن يجلس على مقعدها يدرك جيدًا أن كل رقم يمكن أن ينعكس على واقع كامل.

ولهذا ربما يمكن القول إن أمل طنطاوي ليست مجرد مسؤولة مالية داخل القطاع، بل واحدة من الأعمدة التي تحمل على عاتقها جزءًا كبيرًا من استقرار منظومة كاملة، في وقت تتغير فيه موازين الطاقة بسرعة، وتزداد فيه التحديات يومًا بعد يوم.

ورغم كل ما يحيط بالمشهد من ضغوط وأزمات، يبقى الأمل دائمًا أن تأتي الأيام القادمة بهدوء أكثر قليلًا… ليس فقط للقطاع، ولكن أيضًا لأولئك الذين يقفون خلف الكواليس يحملون عبء استمراره، وأمل طنطاوي واحدة منهم .
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط