لطائف وقطائف...سمير زايد (16)
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡآنُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾
نزول القرآن جملة واحدة
أحبتي، لقد وضحنا في الحلقة السابقة أن هناك مجموعة من الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن في هذه الخاطرة، وهي نزول القرآن جملة واحدة، وتناولنا السؤال الأول والثاني، فدعونا نستكمل سويًا باقي الأسئلة:
السؤال الثالث:
أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجمًا إلى آخر عمره، ويحتمل أيضًا أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمدًا عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة، ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة، ثم كذلك أبدًا ما دام، فأيهما أقرب إلى الصواب؟
الجواب:
كلاهما محتمل، وذلك لأن قوله: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن” يحتمل أن يكون المراد منه الشخص، وهو رمضان معين، وأن يكون المراد منه النوع، وإذا كان كل واحد منهما محتملًا صالحًا وجب التوقف.
السؤال الرابع:
هل هناك قول آخر في تفسير قوله: “أنزل فيه القرآن” وأن القرآن لم ينزل جملة واحدة؟
الجواب:
قال سفيان بن عيينة: “أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن”، وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله أن يقال: أنزل في الصديق كذا آية، يريدون في فضله.
قال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها.
ونقول – والله الموفق – إن القول بنزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا هو الأرجح والأشهر، ثم أنزله الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجمًا إلى آخر عمره.
بهذا صار القرآن كتابًا حيًّا، لا يُقرأ فقط، بل يُعاش ويُتفاعل معه في كل لحظة. كل آية كانت تأتي في وقتها لتكون جوابًا على موقف، أو تثبيتًا في محنة، أو توجيهًا في لحظة فارقة. وهنا يظهر البعد الروحي: القرآن حياة تتنزل مع كل موقف، نور يتجدد مع كل واقعة، وهدى يرافق الإنسان في رحلته.
⸻
رمضان زمن اللقاء
رمضان بهذا المعنى هو زمن اللقاء بين السماء والأرض، حيث تتنزل الكلمة الإلهية لتضيء قلب النبي وتفتح أبواب الهداية للبشرية. إنه الشهر الذي صار وعاءً للوحي، وميدانًا لتجلي النور الإلهي في حياة الناس. ومن هنا نفهم أن نزول القرآن في رمضان ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو تأسيس لعلاقة أبدية بين الوحي والزمان، بين الإنسان وربه.
رمضان كريم
⸻
قوله: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان }
هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه.
{ وبينات } أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
{ هدى للناس وبيناتٍ } منصوبان على الحالية، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية.
وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف، وخفي مشتبه، فوصفه أولًا بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.
ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه، ومع ذلك ففيه أيضًا بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان التوراة والإنجيل.
أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.
أما قوله { هدىً للناس } فإنه يعني رشادًا للناس إلى سبيل الحق وقصد المنهج.
وأما قوله { وبينات } فإنه يعني: وواضحات من الهدى، يعني من البيان الدال على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.
وقوله { والفرقان } يعني: والفصل بين الحق والباطل.
كما:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما وبينات من الهدى والفرقان فبينات من الحلال والحرام.
⸻
يبين أن شهر رمضان هو الزمن الذي اختاره الله تعالى لإنزال القرآن الكريم، فجعل الصيام فيه فريضة على المؤمنين. وقد اقترن هذا الشهر بالفضل العظيم، إذ نزل فيه الكتاب الجامع للهداية في شؤون الدين والدنيا، المبين للحق بأوضح بيان، والفارق بين الهدى والضلال، والسعادة والشقاء. ومن ثم كان من مقتضى هذا الفضل أن يُجعل رمضان موسمًا للعبادة مفروضًا فيه الصيام.
⸻
أصل كلمة “شهر”
يرجع أصل كلمة شهر إلى الشهرة والظهور؛ فيقال: “شهر فلان سيفه” أي أخرجه وأظهره. ومن هذا المعنى سُمّي الشهر عند ظهور الهلال، ودخول الناس فيه عند ابتداء زمنه.
⸻
أصل كلمة “رمضان”
أما رمضان، فقد أجمع أكثر العلماء على أنه اسم علم للشهر، كرجب وشعبان، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والألف والنون. وقد اختلف في اشتقاقه:
• رأى الخليل أن أصله من الرَّمْض، وهو المطر الذي ينزل في الخريف فيطهّر الأرض من الغبار، وسُمّي الشهر بذلك لأنه يطهّر الأبدان والقلوب من أوزار الذنوب.
• وقيل إنه من شدة الحر الرَّمضاء، إذ كان الشهر يقع في زمن الحر الشديد، حتى ترمض فيه الفصال (صغار الإبل).
• وفي الكشاف للزمخشري: أن رمضان مصدر رمِض إذا احترق من الرمضاء، وسُمّي الشهر بذلك إما لشدة الجوع والعطش فيه، أو لأن الذنوب تُحرق فيه. وروي عن النبي ﷺ قوله: “إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده”.
• وعن الأزهري: أن العرب كانوا يرمضون أسلحتهم فيه، أي يهيئونها ويشحذونها، ليستخدموها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم.
• وهناك من يرى أن أسماء الشهور نُقلت من لغة قديمة، ووافق رمضان زمن الحر، فسُمّي بذلك.
⸻
القراءات والإعراب
في قراءة عاصم برواية حفص، جاءت كلمة شهر بالنصب، بينما قرأها الجمهور بالرفع. وقد تنوعت وجوه الإعراب:
• الرفع على أنه بدل من أيامًا معدودات، أي تلك الأيام هي شهر رمضان.
• أو على أنه مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلكم شهر رمضان.
• أو بدل من الصيام على حذف المضاف، أي: كتب عليكم صيام شهر رمضان.
أما النصب فجاء على تقدير فعل محذوف: صوموا شهر رمضان، أو على أنه مفعول به لفعل مقدر، أو على الظرفية: كتب عليكم الصيام في شهر رمضان.
وكل هذه الأوجه تعكس ثراء النص القرآني وتعدد احتمالاته الإعرابية.
ومن قرأه «شهرَ رمضان» نصبًا، بمعنى: على إضمار صوموا، أو على أنه مفعول: كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهر رمضان.
وقرأه