الثلاثاء 03 مارس 2026 الموافق 14 رمضان 1447

وائل عطية يكتب: بين هرمز وباب المندب… أسواق الطاقة على حافة الانفجار

110
المستقبل اليوم

دخلت الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية طورًا بحريًا بالغ الحساسية مع استهداف ناقلة البترول سكاي لايت قرب مضيق هرمز، في مشهد يعكس انتقال الصراع من تبادل الضربات العسكرية إلى تهديد مباشر لشريان الطاقة الأهم في العالم. هذا التطور جاء ضمن سياق تصعيد متسارع يضع أسواق البترول والغاز أمام واحدة من أخطر لحظاتها منذ عقود.

مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من البترول المنقول بحرًا عالميًا، ليس مجرد ممر جغرافي، بل ركيزة توازن الاقتصاد الدولي. أي اضطراب فيه، حتى دون إعلان رسمي بالإغلاق، يكفي لرفع تكلفة التأمين وتعطيل الجداول الملاحية ودفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها. وهذا ما بدأ فعليًا مع تباطؤ الحركة وتحويل بعض الناقلات مساراتها.

غير أن المفارقة الأشد تعقيدًا تكمن في أن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير إنتاجها من البترول، خصوصًا إلى الصين. تشير التقديرات إلى أن الصادرات الإيرانية إلى بكين تدور حول مليون إلى مليون ونصف المليون برميل يوميًا، تمر غالبيتها عبر هرمز قبل أن تشق طريقها شرقًا نحو مصانع التكرير الصينية. أي تعطيل واسع للممر يعني عمليًا إرباك تدفقات هذه الكميات، وبالتالي إلحاق ضرر مباشر بعائدات طهران البترولية التي تمثل شريانها المالي الأهم في ظل العقوبات.

بهذا المعنى، فإن قرار جعل المضيق غير قابل للتنبؤ يشبه العض على الأصابع؛ فإيران لا تعاقب خصومها فقط، بل تضغط على نفسها أيضًا، وتضع حليفتها الاستراتيجية الصين أمام أخطار تأخر الإمدادات. بكين، التي أصبحت المستورد الأكبر للبترول الإيراني، تجد نفسها في معادلة دقيقة؛ فهي تستفيد من الخام الإيراني منخفض السعر، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على استقرار الممرات البحرية في الخليج لضمان أمن الطاقة الخاص بها.

التداعيات لا تقف عند البترول الخام. الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الصادرات القطرية المتجهة إلى آسيا وأوروبا، يمر كذلك عبر المضيق. أي توقف ممتد يهدد بإعادة إشعال سباق عالمي على الشحنات الفورية، مع ما يحمله ذلك من ارتفاعات حادة في الأسعار وضغوط تضخمية على الاقتصادات الصناعية.

وفي موازاة التوتر في هرمز، اتسعت دائرة التصعيد جنوبًا مع إعلان الحوثيين استئناف ضرباتهم ضد إسرائيل واستهداف السفن والشركات المتعاونة معها. هذا التطور أعاد البحر الأحمر وباب المندب إلى واجهة المخاطر، وأدخل قناة السويس ضمن حسابات الاضطراب. قرار جماعة الحوثي لم يقتصر أثره على البعد العسكري، بل أطلق موجة قلق في قطاع الشحن العالمي دفعت شركات كبرى إلى إعادة توجيه سفنها بعيدًا عن المسار التقليدي بين آسيا وأوروبا.

في هذا السياق، أعلنت شركة ميرسك، إحدى أكبر شركات الشحن في العالم، تحويل مسار سفنها إلى رأس الرجاء الصالح وإيقاف مرورها عبر قناة السويس مؤقتًا. هذا القرار يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالممرات البحرية الحيوية، ويضيف تكلفة زمنية ومالية كبيرة على التجارة الدولية. فالإبحار حول أفريقيا يعني زيادة في زمن الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والطاقة.

التشابك بين هرمز والبحر الأحمر يرسم صورة أكثر تعقيدًا للأزمة. فالعالم لا يواجه نقطة اختناق واحدة، بل قوسًا من المخاطر يمتد من الخليج العربي إلى باب المندب. ومع كل حلقة إضافية في هذا القوس، ترتفع احتمالات اضطراب أوسع في سلاسل الإمداد، وتزداد حساسية أسواق البترول والغاز لأي خبر أو حادث.

بالنسبة لدول الخليج، يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن الحفاظ على مستويات الإنتاج في ظل تعطل محتمل للصادرات؟ بعض الدول تمتلك خطوط أنابيب بديلة إلى البحر الأحمر أو بحر عُمان، لكنها لا تعوض كامل الكميات التي تعبر هرمز يوميًا. وفي حال استمر التعطيل، قد تجد بعض الدول نفسها مضطرة إلى خفض الإنتاج لتجنب امتلاء تسهيلات التخزين، ما يضيف عاملًا صعوديًا جديدًا للأسعار.

المشهد الراهن يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار حقيقي لمرونة منظومة الطاقة. إذا طال أمد التوتر، فإن العالم قد يشهد مزيجًا من أسعار بترول وغاز مرتفعة، وتكاليف شحن متصاعدة، وضغوط تضخمية تمتد من آسيا إلى أوروبا. وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران، ممسكة بورقة هرمز، لكنها في الوقت ذاته تتحمل جزءًا من تكلفة استخدامها.

هكذا يتحول المضيق من ممر مائي إلى ساحة اشتباك استراتيجي، وتتحول ناقلة مستهدفة قرب عُمان إلى جرس إنذار بأن الحرب، مهما كان ميدانها الأول، قادرة على أن تمتد سريعًا إلى قلب أسواق الطاقة، حيث تتقاطع السياسة بالقوة العسكرية وبحسابات العرض والطلب في أدق تفاصيلها.




تم نسخ الرابط