الأربعاء 25 فبراير 2026 الموافق 08 رمضان 1447

لطائف وقطائف...سمير زايد (7)

93
المستقبل اليوم


﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

أما قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه) ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى من يطيقونه: القراءة المشهورة المتواترة “يطيقونه”، وقرأ عكرمة وأيوب السختياني وعطاء “يطيقونه”، ومن الناس من قال: هذه القراءة مروية عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد. قال ابن جني: أما عين الطاقة فهو كقولهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي به، وعليه قراءة (يطوقونه)، أي يفعلونه، فهو كقولك: يجشمونه، أي يكلفونه.

{يُطِيقُونَهُ}: أي يصومونه بمشقة وعسر. قال في “اللسان”: والإطاقة القدرة على الشيء، وهو في طوقي أي في وسعي، وأطاق إطاقة إذا قوي عليه. وقال الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وشُبِّه بالطوق المحيط بالشيء.

العرب تقول: أطاق الشيء إذا كانت قدرته في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة عظيمة، وهو مشتق من الطوق. وعليه قول الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: 286)، أي ما يصعب علينا مزاولته.

والطاقة اسم لمن كان قادرًا على الشيء مع الشدة والمشقة، والوُسع اسم لمن كان قادرًا على الشيء على وجه السهولة، فتنبه له فإن الفرق دقيق.

المسألة الثانية: هل هي منسوخة أم محكمة؟

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بين النسخ والإحكام.

حيث ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية كانت تُخيِّر المقيم الصحيح بين الصيام والإفطار، على أن يفدي بإطعام مسكين عن كل يوم يفطر فيه، ثم نسخها الله عز وجل بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ حيث أوجبت هذه الآية الصوم على الصحيح المقيم على التعيين، بعد أن كان واجبًا على التخيير بينه وبين الفدية.

وفي البخاري عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها آية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين.

وممن اختار أن الآية منسوخة: الطبري، وأبو حيان، وابن كثير، وابن عاشور، وغيرهم.

وبيَّن الطبري الحجة بقوله: “وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) منسوخ بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، لأن الهاء التي في قوله: (وعلى الذين يطيقونه) من ذكر الصيام، ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين، كان معلومًا أن الآية منسوخة”.

هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن معاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله ﷺ في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فأُلزموا فرض صومه، وبطل الخيار والفدية.

وهنا نقع في مأزق دفع الفدية في حق المريض الذي لا يُرجى برؤه، والشيخ الكبير، والمرضع، والحامل، والمُفتى في حقهم جواز الفطر ودفع الفدية، وهذا ما جرى عليه عمل الأمة بلا خلاف.

وذهب جمع من العلماء إلى أن الآية محكمة غير منسوخة.

قال الطبري: “وقال آخرون ممن قرأ ذلك (وعلى الذين يطيقونه): لم يُنسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبت من لدن نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه في حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم، إذا مرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين، لا أن القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار وهم على الصوم قادرون إذا افتدوا”.

روى السدي: “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين”، قال: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك، ثم يعرض له الوجع أو العطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينًا فهو خير له، ومن تكلف الصيام فصامه فهو خير له.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا.

والذي يظهر، والعلم عند الله: أن الآية محكمة وليست منسوخة، وأن معنى (يطيقونه): لا يطيقونه، بتقدير “لا” النافية، وعليه فتكون الآية محكمة، ويكون وجوب الإطعام على العاجز عن الصوم، كالهرم والزَّمِن.

ومن القواعد التي تعضد هذا الترجيح قاعدة: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وسياق الآية في أوله يخاطب المكلفين بالصيام، فالله تعالى يقول في الآية قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي فُرض، وجاءت الآية بعد ذلك في أحكام المريض والمسافر، وأنه إذا تعذر عليهما الصوم فلهما القضاء في أيام أخر، فمن المفترض أن تكون الآية بعدها فيمن لا يقدرون على الصيام، كالهرم أو المرضع والحامل.

ومما يعضد هذا الترجيح أيضًا قاعدة ترجيحية أخرى، وهي: (تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة في الآية)، وقد وردت قراءة لبعض الصحابة: “يُطَّوَّقونه” بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحين، بمعنى يتكلفونه مع عجزهم عنه. وعلى هذا القول يجب على الهرم ونحوه الفدية، وهو اختيار البخاري.

وعليه يترجح، والله أعلم، أن الآية محكمة.

وسوف نستكمل في الحلقة القادمة بعون الله وتوفيقه.

رمضان كريم 🌙




تم نسخ الرابط