الإثنين 23 فبراير 2026 الموافق 06 رمضان 1447

لطائف وقطائف...سمير زايد (5)

118
المستقبل اليوم

﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

أحبتي، تناولنا في الحلقة السابقة مريضًا، وسوف نتعرض لقوله تعالى: ﴿ أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾.

أصل السفر من الكشف، وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم، والمسفرة المكنسة لأنها تسفر التراب عن الأرض، والسفير الداخل بين اثنين للصلح لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمسفر المضيء لأنه قد انكشف وظهر، ومنه أسفر الصبح، والسفر الكتاب لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، وأسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب.

قال الأزهري: وسُمِّي المسافر مسافرًا لكشف القناع عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء، وسُمِّي السفر سفرًا لأنه يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، ويظهر ما كان خافيًا منهم.

اختلف أهل العلم في الفطر في السفر، ونحن ذاكرون اختلافهم في ذلك، ومخبرون بأولاه بالصواب إن شاء الله.

فقال بعضهم: الإفطار في السفر عزيمة من الله واجبة، وليس بترخيص.

ذُكر من قال ذلك: عن ابن عباس قال: الإفطار في السفر عزيمة. وعن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر، أو سُئل، عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك، ألم تغضب؟ فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم. قال أبو جعفر: كان أبي لا يصوم في السفر وينهى عنه. وعن عبيد، عن الضحاك، أنه كره الصوم في السفر.

وقال أهل هذه المقالة: من صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام. عن ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن رجل: أن عمر أمر الذي صام في السفر أن يعيد. وعن المحرر بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في رمضان، فكنت أصوم ويفطر. فقال لي أبي: أما إنك إذا أقمت قضيت.

وقال آخرون: إباحة الإفطار في السفر رخصة من الله تعالى، رخصها لعباده، والفرض الصوم؛ فمن صام فرضه أدى، ومن أفطر فبرخصة الله له أفطر. قالوا: وإن صام في سفر فلا قضاء عليه إذا أقام.

ذُكر من قال ذلك: عن عروة وسالم أنهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أمير على المدينة، فتذاكروا الصوم في السفر. قال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السفر. وقال عروة: وكانت عائشة تصوم. فقال سالم: إنما أخذت عن ابن عمر. وقال عروة: إنما أخذت عن عائشة، حتى ارتفعت أصواتهما. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم عفوًا! إذا كان يُسرًا فصوموا، وإذا كان عُسرًا فأفطروا.

عن أنس أنه سُئل عن الصوم في السفر فقال: من أفطر فبرخصة الله، ومن صام فالصوم أفضل.
وعن عطاء قال: هو تعليم وليس بعزم، يعني قول الله: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾، إن شاء صام وإن شاء لم يصم.
وعن مجاهد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فيه ويفطر. قال: قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: إنما هي رخصة، وأن تصوم رمضان أحب إلي.
وعن أبي إسحاق قال: قال لي مجاهد في الصوم في السفر، يعني صوم رمضان: والله ما منهما إلا حلال، الصوم والإفطار، وما أراد الله بالإفطار إلا التيسير لعباده.
وعن سعيد بن جبير: الفطر في السفر رخصة، والصوم أفضل.

في هذا، مع نظائره من الأخبار التي يطول باستيعابها الوقت، الدلالة على صحة ما قلنا: من أن الإفطار رخصة لا عزيمة.

يُباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون السفر مسافة تبيح قصر الصلاة، وبشرط أن يشرع فيه قبل طلوع الفجر بحيث يصل إلى المكان الذي يبدأ منه قصر الصلاة قبل طلوع الفجر؛ فإن كان السفر لا يبيح قصرها لم يجز له الفطر. فإذا شرع في السفر بعد طلوع الفجر حرم عليه الفطر، وهذان الشرطان متفق عليهما عند ثلاثة. وخالف الحنابلة في الشرط الثاني، فقالوا: إذا سافر الصائم من بلده في أثناء النهار، ولو بعد الزوال، سفرًا مباحًا يبيح القصر، جاز له الإفطار، ولكن الأولى له أن يتم صوم ذلك اليوم؛ فلو أفطر فلا كفارة عليه، بل يكفيه قضاء ذلك اليوم.

هذا، ومما تواتر عن رسول الله ﷺ أنه كان يمسك في سفره عن المفطرات ولا يترخص بالفطر، باعتبار أن الصوم في السفر أفضل، وما كان يترخص بالفطر في السفر إلا مراعاةً لحال أصحابه حينما يشق عليهم الصيام في السفر، ولا يترخصون إلا بعد ترخص رسول الله ﷺ. فإذا ما أُضيف إلى هذه الأحاديث حال المسافر في زماننا هذا، وأنه لا يجد من المشقة في سفره من أقصى الأرض إلى أقصاها، فإننا نستطيع القول بأن الأفضل للمسافر في أيامنا هذه هو الصوم في السفر، أيًّا كانت المسافة التي يسافر إليها، وأيًّا كانت وسيلة سفره.

رمضان كريم




تم نسخ الرابط