رمضانيات: العز حلو..مع الاعتذار للأستاذ خالد النجار
حديث الصحفي الكبير خالد النجار بالأمس في موضوعه عن البلطجة واغتيال الكفاءة هو صرخة غضب مدوية تجاه ما نعيشه هذه الأيام من انحدار أخلاقي واجتماعي لم نرَ له مثيلًا من قبل. وإذا كشف الله لك عما في صدورنا فسوف ترى وتسمع أضعاف أضعاف ما كتبته ووصفته في موضوعك القيم. وإذا كان هذا زماننا فليس لزماننا عيب سوانا، كما قال الشاعر.
ولكن، وبما أن بلدنا بلد كبير به من المتناقضات والأعاجيب بكل فخر، فقد يغم على الكثيرين: أهي ثرية ترفل في العز أم فقيرة يعاني فيها الناس شظف العيش؟ وتقف محتارًا أيهما تصدق. فكل ما وصفه الكاتب الكبير تجد عكسه تمامًا في الإعلانات الجميلة التي نراها وتدخل في عقولنا وقلوبنا شئنا أم أبينا.
ليس بالضرورة أن تكون حياتنا سلسلة طويلة لا تنتهي من الغم والحزن والفقر ومشكلات لا حصر لها من سلوكيات ومطالب حياتية وتعليمية وصحية، ولكن لا بأس أن نخطف ثواني ولحظات مع مصرنا الجميلة الثرية التي نراها في تلك الإعلانات، التي ترفل في الأماكن والملابس الأنيقة وأولاد العز وهم يتحلقون حول أبيهم المطرب الثري.
ليس عيبًا أن نعيش لحظات حالمة ننسى فيها الواقع المرير وأسلوب الناس الفج في التعامل في كل المجالات التي ذكرتها في موضوعك. وقبل أن تقول لي إن هذا ديكور من وحي المخرج العبقري ولا يوجد في واقعنا، أقول لك إن واقعنا به أكثر من ذلك بكثير، وهناك من يملكون أعظم وأكبر مما نراه في هذه الإعلانات، وتلك هي حظوة مصر العجيبة.
مصر بها أعداد من السيارات تخطت الـ12 مليون سيارة، وإذا حسبت تكلفة تشغيلها تشعر أن مصر ليس بها فقير. وإذا ذهبت إلى المستشفيات الحكومية تشعر أن الشعب كله فقير، بينما هناك أكثر منهم ينتظرون في أكبر العيادات والمستشفيات الخاصة ويدفعون الملايين في العلاج.
ولن أقول لك عما يحدث في الساحل والغردقة وسفاجا، بل عليك انتظار يومين آخرين ولن تجد مقعدًا واحدًا لإفطار خارج المنزل، الذي يتكلف الآلاف في وجبة واحدة. وقبل أن يقول قائل الكلمة المعتادة إننا شعب 120 مليونًا، فهذا دليل آخر على أن لدينا أغنياء كثيرين وفقراء أيضًا، وأمريكا نفسها تعج بالفقراء ولكنهم يعملون، بينما نحن فقدنا الأخلاق التي هي سبب كل ما نعانيه.
هذه هي مصر يا سيدي، غريبة الطباع، بها الأغنياء الذين يتزاحمون على اقتناء فيلات بمئات الملايين، وآخرون لا يجدون شقة صغيرة لهم أو لأولادهم. لذلك فأنا عند رأيي أن الإعلان جميل ويظهر القاهرة جميلة حالمة، تلك التي قال عنها الزعيم عادل إمام: من يراها من فوق ليس كمن يراها من تحت، ويفسر لي قول أجدادي: (العز حلو)، ولن يكون مرادفًا لانعدام الأخلاق أبدًا.
لا أحد يكره العز حتى لو كان حلمًا أو في غفوة، فلا بد من راحة وأمل للنفس بعيدًا عن هذه الأجواء المشحونة والمصالح المتصارعة والأخلاق الغائبة. وتظل الحياة بين هذا وذاك، وكل سنة وحضراتكم جميعًا طيبين.
والسلام،،
#سقراط