لطائف وقطائف...سمير زايد (2)
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛
أي: لأجل أن تتقوا الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
التقوى.. ذلك الوصف المُحبَّب؛ الذي يجاهد لتحقيقه المؤمنون، ويتشرَّف بالاتِّسام به الصالحون، وينتحله المبطلون، وحتى يدَّعيه المنافقون! فمن رام صدق الوصف فقد جاءت فرصة كريمة، تفضَّل الله بها على خلقه.. لعلهم يتقون! بل فرضها عليهم فرضًا لضرورة الدواء لمجموعة من الأدواء… لعلهم يتقون! إنها فرصة الصيام.
ويلفت نظرك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾. أهي كما قال بعض المفسرين: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم، أي تتركونها؛ حيث كانوا إذا ناموا حُرِّم عليهم ما يُحرَّم على الصائم؟ أي كُتِب الصيام لكي تتركوا هذه إيمانًا وامتثالًا واحتسابًا؟
أم هي أنه: لعلكم تتقون المحرمات كلها، وتجتنبونها وتبتعدون عنها، كما ذكر بعض المفسرين؟ ويشمل المحرمات بإطلاق، ومن المحرمات ما حُرِّم بسبب الصيام، وهي المفطرات؟ أم أن المعنى: لعلكم تتقون سخط الله وغضبه بقيامكم بهذه العبادة الجليلة؟ ربما يحسن الوقوف على معنى خاص في هذه الآية، وآخر عام في العبادات.
أما المعنى الخاص فهو في كلمة (لعل) في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾؛ ما معناها، وهل هي هنا للتحقيق أم للترجي أو للتعليل؟ أما (لعل) في حق الله تعالى فهي للتحقيق بلا شك ولا امتراء، إذا تحققت شروطها في الالتزام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: إذا أخذناها من باب الترجي؛ فإن المعنى يكون: كُتِب عليكم الصيام ليقوى رجاؤكم في التقوى، كما قال الزجاج في معاني القرآن: “و(لعل) ههنا تُحمَل على معنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى”.
أم إنها للتعليل والسببية: أي كُتِب عليكم الصيام لأجل أن تصلوا إلى درجة التقوى فيه، وتمتثلوا أوامر الشرع بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب؟
ونقول: فُرض عليكم الصيام لغاية عظيمة، هي الغاية من كل عبادة، ومن كل تصرف تمتثلون فيه لرب العالمين من فعل المأمورات أو ترك المنهيات، ومن بقية العبادات؛ وأن الغاية ليست تلك الأفعال الظاهرة أو الأقوال المستترة أو الجاهرة، إنما هي التقوى.
فالصيام من تقوى الله عز وجل، ويحمل على تقوى الله؛ لما فيه من تربية النفس وتزكيتها، وتجديد الإيمان وزيادته. فهو مدرسة يتربى فيها المسلم على سلوك الطريق المستقيم، والمنهج القويم؛ لما فيه من تقوية القلب، وتعويده الصبر والتحمل ومراقبة الله عز وجل من جهة.
ولما فيه من تليين القلب وترقيقه من جهة أخرى، مما يكون سببًا للألفة والمحبة والتواصل، والعطف على الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، ولما فيه من تضييق مجاري الشيطان، وإضعاف نوازع النفس ودواعي الشهوة.
رمضان كريم