الإثنين 09 فبراير 2026 الموافق 21 شعبان 1447

*وائل عطية يكتب: الغاز الصومالي… بين الرهان التركي والفرصة المصرية*

93
المستقبل اليوم

لم يكن الحضور التركي المتصاعد في الصومال مجرد تمدد سياسي أو عسكري، بل تطور تدريجيًا إلى رهان اقتصادي واضح يقوم على اقتناص الفرص الاستثمارية وعلى رأسها قطاع الطاقة وتحديدًا البحث عن الغاز الطبيعي في واحدة من أقل مناطق العالم استكشافًا وأكثرها إثارة للجدل.
في لحظة تتغير فيها خريطة الطاقة العالمية ويُعاد فيها رسم مسارات الغاز بعيدًا عن بؤر التوتر التقليدية يبرز الصومال فجأة كمنطقة جذب واعدة قد تعيد تشكيل معادلات الطاقة في شرق إفريقيا وربما تتجاوز تأثيراتها الإطار الإقليمي إلى أسواق أوسع.
خلال العقد الأخير نجحت تركيا في بناء شبكة نفوذ قوية في الصومال بدأت بدعم مؤسسات الدولة وتأمين الموانئ وإنشاء القواعد العسكرية قبل أن تنتقل إلى المرحلة الأكثر تعقيدًا ومخاطرة في صناعة البترول والغاز: مرحلة الاستكشاف والحفر، من خلال شركة النفط الوطنية التركية (TPAO) أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن أنقرة تعتزم الانتقال إلى مرحلة الحفر والتنقيب الفعلي في عام ٢٠٢٦ باستخدام سفينة حفر متطورة للعمل في المياه العميقة.
وجاء هذا الإعلان عقب الانتهاء من أعمال المسح السيزمية، حيث انتقلت سفينة الأبحاث السيزمية Oruç Reis (أوروتش رئيس) إلى المياه العميقة قبالة السواحل الصومالية في أكتوبر ٢٠٢٤ وأنهت مهامها في يوليو ٢٠٢٥. وشملت الأعمال مسح ثلاث مناطق امتياز تمتد كل منها على مساحة تقارب ٥٠٠٠ كيلومتر مربع. ويقع اثنان من هذه الامتيازات على بُعد نحو ٥٠ كيلومترًا من اليابسة بينما يقع الثالث على مسافة تقارب ١٠٠ كيلومتر.
ووفق تقديرات نشرتها وكالة الأناضول الرسمية عام ٢٠٢٢ يمتلك الصومال ما لا يقل عن ٣٠ مليار برميل من احتياطيات النفط والغاز المحتملة وهو ما أشار إليه أيضًا موقع International Trade Administration وتشير التقديرات إلى أن عمليات التنقيب قد تستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات علمًا بأن شركات نفط وغاز دولية كبرى كانت تمتلك اتفاقيات تنقيب في الصومال لكنها انسحبت عقب اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٩١.
جيولوجيًا لا يمكن النظر إلى الصومال بمعزل عن محيطها الإقليمي. فالأحواض البحرية الصومالية تُعد امتدادًا طبيعيًا لمنظومة شرق إفريقيا الرسوبية التي شهدت خلال العقد الماضي اكتشافات غاز عملاقة في موزمبيق وتنزانيا. وهناك تشابه واضح في البيئات الترسيبية العميقة وطبيعة الخزانات الحاملة للغاز، بل وحتى في السيناريو التاريخي نفسه: مناطق ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام ثم تحولت فجأة إلى بؤر جذب للشركات العالمية بعد ظهور مؤشرات جيولوجية واعدة.
غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن الصومال لا يزال في مرحلة مبكرة جدًا من دورة الاستكشاف، فالمنطقة شبه خالية من البيانات المؤكدة ولم تُحفر آبار بحرية عميقة حديثة ولم تُختبر الفرضيات الجيولوجية بعد وهو ما يرفع مستوى المخاطر بشكل كبير لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام اكتشافات بكر قد يكون لها تأثير جوهري على سوق الطاقة العالمي.
ويبقى السؤال الاقتصادي الأهم: ماذا لو أثبتت البيانات السيزمية وجود غاز بكميات تجارية؟
الإجابة لا تتعلق فقط بحجم الاحتياطيات، بل بسلسلة معقدة من الحسابات تبدأ من أعماق المياه وتكلفة التطوير ولا تنتهي عند خيارات التصدير والأسواق المستهدفة، فالغاز المنتج من المياه العميقة مكلف بطبيعته لكن التجارب العالمية أثبتت أن مثل هذه المشروعات تصبح مجدية اقتصاديًا عندما تتجاوز الاحتياطيات ارقامًا معينة وحين تتوافر بنية تحتية قادرة على استيعاب الإنتاج وتسويقه بكفاءة.
هنا تحديدًا تظهر الفرصة المصرية، فمصر تمتلك خبرة متراكمة في تطوير حقول الغاز في المياه العميقة ويُعد حقل ظهر نموذجًا مرجعيًا عالميًا في تقليص الفترات الزمنية بين الاكتشاف ووضع الحقل على الإنتاج. إضافة إلى ذلك تمتلك مصر بنية تحتية ضخمة تشمل تسهيلات إسالة الغاز وشبكات النقل والتصدير وهو ما يجعلها لاعبًا مؤهلًا للعب دور محوري في أي سيناريو تطوير مستقبلي للغاز الصومالي.
كما يوفر التعاون الاقتصادي والعسكري القائم بين القاهرة ومقديشو مظلة سياسية وأمنية مهمة بينما تمنح القدرات الفنية المصرية ميزة تنافسية يصعب تجاهلها سواء في إدارة العمليات أو في تقديم خدمات القيمة المضافة التي أصبحت ركيزة أساسية في استراتيجية تطوير قطاع البترول المصري.
ولا يعني أي دخول مصري محتمل بالضرورة منافسة مباشرة مع الدور التركي، بل قد يتخذ شكل تكامل واقعي خاصة إذا احتاجت أنقرة إلى شركاء يمتلكون خبرة أعمق في تطوير الغاز وتسويقه، فالشركات المصرية الحكومية والخاصة قادرة على لعب هذا الدور سواء عبر المشاركة المباشرة في الاستكشاف والتطوير أو من خلال حلول مبتكرة لنقل الغاز أو تسييله بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة لا يقتصر على شرق المتوسط، بل يمتد جنوبًا نحو القرن الإفريقي.
ورغم أن الحديث عن الغاز الصومالي لا يزال في إطار فرضيات علمية تحكمها معادلة دقيقة بين الطموح والمخاطر فإن الحقيقة الثابتة هي أن تركيا وضعت قدمها الأولى في المسار الأصعب جيولوجيًا وماليًا بينما تقف أطراف أخرى في موقع الانتظار والترقب. أما مصر فتمتلك فرصة نادرة في ظل علاقاتها الاستراتيجية مع الصومال والتنسيق القائم والمتطور مع تركيا لأن تلعب دور المنسق الإقليمي مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبرتها الفنية وشبكة علاقاتها الواسعة.
وفي النهاية، يبقى القول الفصل لما تخفيه الصخور الرسوبية في الأعماق… فهناك فقط تُكتب الفصول الحقيقية لقصة الغاز الصومالي.




تم نسخ الرابط