الأحد 08 فبراير 2026 الموافق 20 شعبان 1447

طلبات الإحاطة لوزير البترول.. بين الرقابة الحقيقية والاستسهال

426
المستقبل اليوم

بعيدًا عن الاستجواب المنطقي والمهني الذي قدّمه الدكتور محمد فؤاد ضد وزارة البترول بشأن تراجع إنتاج الغاز والزيت، وما تضمنه من تساؤلات واضحة حول الأرقام والبيانات الصادرة، يبرز مشهد آخر لا يقل أهمية، لكنه أكثر إرباكًا، وهو حالة الإسراف بل والاستسهال في تقديم الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات ضد وزير البترول خلال الفترة الأخيرة.

الرقابة البرلمانية حق دستوري أصيل، بل هي إحدى ركائز التوازن بين السلطات، ولا خلاف على ذلك، لكن الخلاف يبدأ حين تتحول هذه الأدوات من وسيلة رقابية جادة إلى سيل من الأسئلة غير المدروسة، أو المبنية على معلومات غير دقيقة، أو التي لا تمس جوهر القضايا الاستراتيجية للقطاع.

شهدنا في الفترة الماضية طلبات إحاطة حول تخصيص طائرة خاصة للوزير في سفرياته، وهو أمر لم يحدث من الأساس، ثم أسئلة عن تسريبات خزانات وقود الطائرات، تلتها طلبات أخرى متفرقة، وصولًا إلى السؤال الذي تقدم به النائب ياسر الهضيبي، عضو مجلس النواب، والموجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير البترول والثروة المعدنية، بشأن تأخر توريد مستحقات مشروع مقابر العاملين بالشركة المصرية للغازات الطبيعية «جاسكو» بمدينة العبور، وما ترتب على ذلك من تعطل حقوق الشركة المنفذة والعاملين منذ عدة سنوات.

ومع كامل الاحترام لمشروعية الاهتمام بحقوق العاملين أو الشركات المنفذة، إلا أن السؤال هنا: هل هذا الملف، بصورته المطروحة، يرقى لأن يكون أداة رقابية موجهة لوزير البترول؟ أم أنه ملف إداري محدود النطاق، كان يمكن معالجته عبر قنوات أخرى أكثر مباشرة، دون تحميل الأداة البرلمانية ما يفوق وزنها؟

المشهد العام يوحي وكأننا أمام حالة من الاستسهال والإفراط في استخدام الأسئلة والطلبات، بما يحولها من أدوات ضغط ذكية إلى ضوضاء تشريعية، لا تُربك الوزير بقدر ما تُربك جوهر الرقابة نفسها، فالأسئلة غير المجدية لا تضر فقط بمضمونها الضعيف، بل تنعكس سلبًا على طلبات الإحاطة الجادة والأكثر فائدة، وتفقد الرأي العام القدرة على التمييز بين الرقابة الحقيقية والرقابة الشكلية.

بل قد يبدو الأمر، في بعض الأحيان، وكأن السادة النواب يمارسون نوعًا من «الشوشرة المتبادلة» فيما بينهم، في سباق على الظهور أو تسجيل موقف، لا في مواجهة حقيقية مع السياسات أو القرارات محل النقد، وهنا تتحول الرقابة من عمل تشريعي منظم إلى حالة من التزاحم غير المنطقي .

السؤال البرلماني، في جوهره، ليس مجرد ورقة تُقدَّم، بل هو موقف سياسي ورقابي يجب أن يستند إلى دوافع واضحة، ومضمون محدد، ومبررات منطقية، وما بُني عليه من وقائع دقيقة، دون ذلك، يصبح السؤال عديم الجدوى، بل عبئًا على الأداء الرقابي نفسه، وخصمًا من رصيد المجلس بدلًا من أن يكون إضافة له.

إن قطاعًا بحجم وأهمية قطاع البترول، بما يحمله من ملفات استراتيجية تمس الأمن القومي والطاقة والاقتصاد، يحتاج إلى رقابة دقيقة، ومركزة على القضايا الكبرى، لا إلى بعثرة الأدوات في ملفات هامشية أو غير مكتملة، فالرقابة القوية لا تُقاس بعدد الأسئلة، بل بعمقها، وتأثيرها، وقدرتها على تصحيح المسار.

وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو التمييز بين الرقابة التي تخدم الصالح العام، وتلك التي تستهلك الأداة البرلمانية دون عائد حقيقي… وهو فارق، إن ضاع، ضاعت معه قيمة السؤال ذاته.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط