أحمد البري يكتب: ثعابين في بذلات العمل.. هل يمثلون الخيار الأفضل؟ (الأخير)
هل يمكن أن يكون قادة الثالوث المظلم خيارًا جيدًا لمنصب قيادي؟
خلال الجزء الأول من هذا المقال، رويت قصة تقدم الأستاذ راغب لشغل وظيفة مدير تنفيذي داخل إحدى الشركات الكبرى، وكيف أن اختبار السمات النفسية الذي خضع له المرشحون قد أظهر أن الأستاذ راغب لديه سمات الاعتلال النفسي، أو ما شرحناه سابقًا تحت مسمى “ثالوث الظلام”، وعند عرض الأمر على أعضاء مجلس الإدارة لإقرار البت النهائي في تعيين أو عدم تعيين الأستاذ راغب، دار بينهم سجال ما بين الرفض والموافقة على التعيين.
على مساحة أكثر اتساعًا، يختلف رواد الأعمال في الوصول إلى وجهة نظر موحدة تخص مسألة الاستعانة بالمديرين ذوي سمات شخصيات الثالوث؛ فالبعض منهم يرى أن المديرين المعتلين نفسيًا لديهم بعض من نقاط القوة يجب الانتفاع بها، ولديهم سلبيات يجب الحد منها “ملحوظة/ تم ذكر توضيح مختصر عن نقاط القوة والضعف خلال الجزء الثاني من المقال”، وأن النقاط الفاصلة في الاستعانة بهم من عدمه هي مدى التزامهم المهني بتحقيق الربحية، وتنفيذ الاستراتيجيات، ومدى التزامهم الأخلاقي بالقوانين واللوائح.
وفي المقابل، هناك البعض من رواد الأعمال لا يفضلون الاستعانة بالمديرين التنفيذيين من ذوي سمات ثالوث الشخصيات المظلم، ومن ضمن حججهم المتعددة أن هؤلاء الشخصيات في أغلب الحالات لا يملكون بوصلة أخلاقية تضمن التزامهم التام تجاه ما بات يعرف حديثًا بـ”أخلاقيات الأعمال”، وللعلم فإن موضوع أخلاقيات الأعمال أصبح من المناهج العلمية الأساسية التي يدرسها معظم دارسي إدارة الأعمال في مختلف أنحاء العالم.
على الجانب الآخر، هناك اتفاق بين غالبية أساتذة علم النفس على عدم إعطاء فرصة تولي المناصب التنفيذية للأشخاص ذوي الشخصيات المعتلة نفسيًا، ومن هؤلاء الأساتذة على سبيل المثال البروفيسير الكندي روبرت هير، المتخصص في علم النفس الجنائي، وهو أحد مؤلفي الكتاب المستمد منه عنوان المقال “ثعابين في بذلات العمل: عندما يذهب السيكوباتيون إلى العمل”. وخلال الكتاب قدم روبرت هير شرحًا مفصلًا لهذا النوع من الاضطرابات، وأعطى العديد من الأمثلة والحالات الدالة على مدى خطورة هذا النمط من المديرين؛ فهم قد يحققون نجاحات في بيئة العمل، إلا أنها تظل نجاحات مرحلية قصيرة الأجل؛ إذ لا ولاء لديهم إلا لمصالحهم الشخصية، كما أنهم يسعون لإقصاء الأكفاء إذا ما شكلوا عقبة في طريق نفوذهم، مما يخلق بيئة عمل طاردة تنخفض فيها مستويات الرضا الوظيفي، وقد يتفاقم الأمر ليضطر بعض الموظفين إلى اللجوء للمتخصصين النفسيين سعيًا للتعافي من الآثار النفسية المدمرة التي يتركها هذا النمط من الشخصيات السامة.
وهناك تساؤل قد يطرح نفسه: لماذا يعتقد المتخصصون في علم النفس أن ذوي اضطرابات الشخصية يجب عزلهم اجتماعيًا وعدم الدخول معهم في أي شكل من أشكال الشراكات، سواء العاطفية أو الزوجية أو المالية أو الوظيفية… إلخ؟
الإجابة هنا تتضمن نقطتين أساسيتين:
الأولى: أن هؤلاء المضطربين دائمًا يتسببون في أضرار بالغة لمن حولهم، فإذا كانوا آباء أو أمهات على سبيل المثال، فهم التجسيد الحي للجانب المظلم من الأبوة والأمومة، وإن كانوا شريكًا عاطفيًا لطرف آخر، فهم وبدون مبالغة من الابتلاءات التي يُصاب بها هذا الشريك، وقس على ذلك العديد من الأمثلة.
الثانية: أن ذوي الشخصيات المضطربة غالبًا ما يفتقرون للاستبصار بحالتهم (Insight)، بل على النقيض تمامًا، فهم يرون أنفسهم في حالة من الكمال والتفوق، ويهيمن عليهم شعور زائف بالاستحقاق. لذا، يرى قطاع واسع من الأخصائيين أن عزلهم اجتماعيًا قد يكون السبيل الوحيد لإشعارهم بوجود خلل سلوكي يستوجب المواجهة والعلاج.
وصولًا إلى الفقرة الأخيرة من هذا المقال، نجيب عن التالي:
إذا مثّل هؤلاء الثالوثَ المظلم للشخصيات، فما الذي يعنيه الثالوث المضيء؟
علماء النفس، وأبرزهم باري كوفمان، صاغوا مصطلحًا حديثًا نسبيًا يسمى الثالوث المضيء أو “الثالوث النوراني” بغرض تقديم توازن في دراسات الشخصية التي ركزت لفترات طويلة على الجوانب المظلمة للبشر، ويُعتبر هذا الثالوث هو المقابل الأخلاقي لثالوث الظلام، أو بعبارة أخرى هو الجانب المضيء “الخير” للنفس البشرية في مقابل الجانب المظلم “الشر”. ولمزيدٍ من الإيضاح، سوف أقتبس الفقرة التالية من صفحات الإنترنت، والتي قدمت شرحًا موجزًا لهذا المصطلح:
الثالوث المضيء (Light Triad) هو مفهوم في علم نفس الشخصية يمثل نقيض “الثالوث المظلم”، ويشير إلى ثلاث سمات شخصية إيجابية ومحبة تعطي الأولوية لكرامة الآخرين وتعاطفهم: الإيمان بالإنسانية (الثقة بخير الآخرين)، النزعة الإنسانية (حب الناس)، والكانطية (معاملة الناس كغايات وليس كوسائل).
يركز هؤلاء الأفراد على التعاون والتعاطف، بخلاف الأنانية في الثالوث المظلم.
سمات الثالوث المضيء:
الإيمان بالإنسانية (Faith in Humanity): الاعتقاد بأن الناس طيبون بطبيعتهم، مع التسامح السريع والتركيز على الجوانب الإيجابية.
الإنسانية (Humanism): تقدير قيمة وكرامة كل فرد، والشعور بالسعادة لنجاح الآخرين.
الكانطية (Kantism): مستوحاة من فلسفة إيمانويل كانط، وتعني معاملة الناس كغايات في حد ذاتهم، والرفض الأخلاقي لاستغلال الآخرين لتحقيق مصالح شخصية.
خصائص الأشخاص المضيئين:
يتميزون بالوداعة، الصدق، التواضع، والتعاطف.
يحققون مستويات أعلى من الرضا عن الحياة، والروحانية، والثقة بالنفس.
يسعون إلى التوازن في العلاقات، ويتمتعون بفضول فكري وانفتاح على التجارب.
نهاية الاقتباس
وإذا أردنا وصفًا موجزًا لهذا النمط من البشر، يمكننا القول بأنهم “ملح الأرض ونور العالم”؛ فهم الذين يمنحون الحياة توازنها وأخلاقها، وبعبارة أخرى، هم التجسيد العملي لمبدأ “خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ”.
إلى أن نلتقي