قيادات تحت الاختبار.. وسبب عدم التجديد
الأحداث تتسارع، والمواقف تتغير بشكل دراماتيكي، وكل الطرق تؤدي إلى روما، مثلما يقول المثل الفرنسي الشهير، والتصريحات الرئاسية في شأن إعداد قيادات تليق بالعصر الذي نعيشه، وتكون قادرة على تحمل مسؤولية بلد كبير مثل مصر، تفتح ملف اختيار القيادات من جديد، وتُظهر أهميته، وأنه أصبح هاجسًا قويًا يجب التعامل معه بكل جدية.
القيادة ليست مجرد شغل منصب أو وظيفة، وإنما هي شخصية تجد نفسها في مجموعة العوامل والاعتبارات، وعليها أن تعمل على توظيفها بشكل يسمح لها باتخاذ القرار، وأن تكون لها رؤية واضحة في كل ما يصدر عنها، في أي موقع وفي أي مؤسسة، حتى لو كانت تمتلك منظومة عمل قوية، هناك أماكن لا تتحمل التجارب أو الخطأ بأي حال، وهناك أيضًا مجالات يُسمح فيها باختبار كفاءات وتأهيلها وتدريبها لما هو قادم.
وإذا نظرنا إلى محيط الشركات في قطاع البترول، فلن تجد قيادة حصلت على تدريب يوازي ما تتحمله من مسؤولية، ويصبح المنصب نفسه هو ساحة اختبار عملية لها، يتم فيها تقييمها، سواء بالنجاح أو الفشل، وفي هذا بعض من الظلم بكل تأكيد. ويبدو أن هذا التوجه كان سببًا مباشرًا في استحداث نظام التكليف لهذا المنصب، كنوع من أدوات الاختبار التي تتيح للسلطة التراجع عن اختيارها في الوقت المناسب، أو إذا تطلّب الأمر ذلك، وبدون تبعات إدارية أو قانونية.
وعندما ترى أن هناك توجهًا قوميًّا لتدريب القيادات المرشحة للقيادة التنفيذية والسياسية، فهذا أكبر دليل على أهمية تهيئة المناخ والعلم والدراسة لمن يريد الانخراط في العمل العام، وأن مسوغات الأقدمية والسن والخبرة العملية لم تعد كافية لشغل منصب القيادة في جميع المجالات.
بالتأكيد هناك استثناءات في مثل هذا النظام، كوجود شخصيات كاريزمية تحملت ظروفًا وأنقذت أوطانها من تبعات ثقيلة، وأصبحت لهم شهرة وظهير شعبي جارف، ولكن هؤلاء، على كل حال، عادةً يمثلون الاستثناء، وهم معدودون، وليس بالضرورة أن تجد نماذج مكررة منهم.
ويأتي هنا موضوع التجديد للقيادات في الشركات، كأحد الشواهد على عدم وجود الخيارات التي تتيح سرعة وجود البديل، حتى وإن كان لكل شركة ظروفها وطبيعة عملها ومسؤولياتها. فتجد بتروجت احتفظت برئيسها، بينما تنتظر مصر للبترول رئيسًا جديدًا. وعلى الرغم من كون الشركتين من أكبر شركات القطاع، فإن اختلاف ظروف وطبيعة عمل كل منهما، ثم الرؤية العامة في تحقيق المصالح، هي الفيصل في التجديد لهذا وعدم التجديد للآخر، مع الأخذ في الاعتبار أن الإنجازات هي دومًا مرادفة للماضي، أيًّا كان حجمها أو تأثيرها.
إذًا، الموضوع يخرج من دائرة المقارنة بين القيادتين على المستوى التنفيذي والإنجازات، ولكن تأتي المقارنة الواقعية في ظروف وطموحات كل شركة للمستقبل وطرق تحقيقها.
نموذج القيادات الحالي في قطاع البترول يجب أن يتغير، ويواكب متطلبات الدولة وتوجهها في ضرورة تأهيل القيادات ببرنامج واضح وعلمي، يكون فيه مجال للاختيار والمقارنة بعيدًا عن بوتقة الأقدمية والخبرة الحتمية، وسيكون من الخطأ أن يُؤخذ التوجه الرئاسي في الاتجاه السياسي فقط.
لا يمكن أن يظل أسلوب «قيادات تحت الاختبار» قائمًا بالشكل الذي نراه حاليًا، وأن تصبح الشركات هي ساحات اختبار بدلًا من أن تكون أرضًا واسعة لانطلاقهم وتحقيق رؤية كل منهم فيها.
التوجيهات الرئاسية الأخيرة يجب أن تفتح ملف القيادات في قطاع هام واستراتيجي مثل قطاع البترول، ويجب أن تكون هناك لجان إدارية وقانونية وفنية لدراسة هذه التوجيهات وكيفية تفعيلها بشكل منظم، يتناسب مع طبيعة القطاع وأيديولوجية عمله التي يختص بها، حتى لا يظل بعيدًا عن مجريات الواقع والأحداث.
#المستقبل_البترولي