السبت 17 أكتوبر 2026 الموافق 06 جمادى الأولى 1448

د محمد عبدالهادي يكتب: صِراع المشتقات البترولية والقرار الصعب

115
المستقبل اليوم

- العالم يغلى بالصراعات الجيوسياسية ولم تعد أسعار البترول ومشتقاته سلعة تجارية بل تحولت لسلاح إستراتيجى فى صراع القوى العظمى وتكتلات الطاقة العالمية.وبإمتداد مناطق الحروب فى العالم وتمركزها فى مناطق إنتاج البترول وتكريره (أمريكا وإيران فى الشرق الأوسط والخليج العربى وروسيا وأوكرانيا) قفزت الأسعار فوق حاجز 110  دولارللبرميل من خام برنت وامتدت الأزمة لتضرب الشريان الحيوى للصناعة والنقل العالمى (وقود الديزل والمشتقات البترولية).

-المشتقات البترولية متعدده ومن أهمها (الديزل والبنزين والنافتا ووقود الطائرات ) وهى العمود الفقرى للصناعة الحديثة والإقتصاد العالمى وتدخل فى تفاصيل الحياة اليومية والعمليات الإنتاجية للصناعة.فحركة التجارة الدولية والخدمات اللوجيستية(حركة البضائع والسلع العالمية) تعتمد بنسبة 80% على الديزل وصناعة البتروكيماويات على النافثا. وكذلك صناعة الأسمدة والمبيدات وبالتالى الزراعة والأمن الغذائى العالمى.وتدخل أيضا فى الصناعات الطبية وقطاع التشييد والبناء.

-يواجه العالم أزمة حادة فى المشتقات البترولية وإمدادتها حيث تشير وكالة الطاقة الدولية لتراجع المعروض العالمى (بواقع 5.8 مليون برميل يوميا) وخسر العالم قدرات تكريرية بما يقارب (4 مليون برميل يوميا من المشتقات) خلال السنوات الماضية بسبب الضربات والصراعات الحالية والتى تستهدف مصافى التكرير والبنية التحتية فى الشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا.ونتيجة لذلك إرتفع سعرجملة الديزل العالمى ليصل (200-220 دولار للبرميل) وفى أمريكا ( 6.5+/- )دولار للجالون الديزل وبزيادة تصل 70% وللبنزين للجالون( +/-6) دولاربنسبة 100%.وفى أوروبا لزيادة فى سعر الديزل تصل  43 % والبنزين تصل 41%.ولهذه الزيادات تأثيرات كبيره على إرتفاع التضخم حيث تشير التقديرات بإرتفاع مؤشر الأسعار العالمى بنسب (.0.6 -0.8) مع كل إرتفاع 10% فى أسعار المشتقات .

-ولمحاولة السيطرة على هذا الجنون فى الأسعار نسقت وكالة الطاقة الدولية لخطة سحب كبرى من الإحتياطيات الإستراتيجية العالمية بقيمة 400 مليون برميل (تم بالفعل سحب 330 مليون برميل منها ولأمريكا فقط 132 مليون برميل من إجمالى حصتها 172 مليون برميل) وكان أغلبها للديزل بنسبة 60%. وأيضا الصفقة الروسية الأمريكية لإعفاء الديزل الروسى من العقوبات فى مقابل ضخ روسيا بكميات 300 ألف طن فورى ويزداد 500 ألف طن لتصل إلى 3 ملايين طن لاحقا وذلك رغم الغضب الأوكرانى والأوروبى.

-فى ظل هذه الأزمة الطاحنة للطاقة,يأتى قرار لجنة التسعير المصرية بتثبيت أسعار المشتقات البترولية كأحد أكثر القرارات جرأة وشجاعة. ولفهم ذلك تعتمد آلية التسعير للجنة بشكل رئيسى على:-

- أسعار البترول العالمية (بتقديرات الموازنة المصرية 75 دولارولكنها +/- 110 دولارللبرميل برنت)

-أسعار الدولار (إرتفعت لتصل +/- 53 جنيها للدولار)

-أسعار الشحن والنقل للمنتجات البترولية (إرتفعت بنسبة 400%)

-ومن هنا تقف الدولة المصرية خلف هذا القرار لتمنح المواطن حماية من كابوس التضخم الإرتدادى لأن الديزل والبنزين هما المحركان لكافة الأنشطة الإقتصادية . وأيضا قطاع البترول المصرى كجندى مجهول يخوض معركة يومية لتحقيق إستقرار وتأمين الإحتياجات اليومية من المشتقات البترولية (80 مليون لتر من الديزل والبنزين) وذلك عن طريق تعظيم جهود البحث والإستكشاف والشراكات الإقتصادية مع الشركات العالمية الكبرى مثل (BP,ENI,Exon mobile & Apachi ( . وكذلك تطويروتحديث منظومة الإنتاج المحلى فى معامل التكرير بمناطق السويس والإسكندرية وأسيوط .وأيضا التقدم التكنولوجى فى منظومة النقل والتداول الرقمى للمنتجات والإعتماد على التكنولوجيا الحديثة فى مراقبة المستودعات والنقل حتى محطات التوزيع مما قضى على عمليات التهريب والهدر وبكفاءة عالية.وتخفيف الضغط على الإحتياج للمشتقات بجهود تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعى (680 الف سيارة) وتوصيل الغاز الطبيعى للوحدات السكنية ليصل (15.3 مليون وحدة).

-يأتى هذا القرار الصعب للدولة المصرية بتثبيت أسعار المشتقات البترولية محليا كسياسة إقتصادية شجاعة وإنحياز للمواطن المصرى فى عالم يموج بأعنف أزمات الطاقة التاريخية ويستهلك فيه من المخزونات الإستراتيجية للحد من إرتفاع الأسعار. ويدعم هذا القرار السياسات الإستباقية لقطاع البترول المصرى ويثبت أنه ليس مجرد قطاع إنتاجى بل هو من ركائز الأمن القومى المصرى ويسهم بجهوده الوطنية ورجاله فى إستقرار وكبح التضخم فى الإقتصاد المصرى ودفعه نحو آفاق أكثر إستقرار ونموا إن شاء الله.




تم نسخ الرابط