خالد جمال يكتب: يوم البيئة..نحو بيئة عربية مستدامة
يأتي يوم البيئة العربي، الذي يوافق 14 أكتوبر من كل عام، هذا العام في ظل الصراعات والتحديات المتصاعدة التي تشهدها منطقتنا العربية، ليؤكد أهمية حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة. وتُسلّط هذه المناسبة الضوء على ضرورة الانتقال من الوعي بالتحديات البيئية إلى اتخاذ خطوات عملية وفعّالة لمواجهتها. فالبيئة ليست مجرد إطار نعيش فيه، بل هي أساس الحياة والصحة والتنمية والاستقرار، وصونها مسؤولية مشتركة تستلزم تضافر الجهود وتكامل الأدوار على المستويات كافة،
تتميز المنطقة العربية باتساع رقعة البيئات الصحراوية، التي تُقدَّر نسبتها بنحو 70% إلى 80% من مساحتها، وتتميز بندرة الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، واتساع الفارق بين درجات الحرارة ليلًا ونهارًا، فضلًا عن محدودية الغطاء النباتي. وتفرض هذه الخصائص الطبيعية تحديات بيئية تتطلب تبني سياسات فعالة لحماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة،
يمثل يوم البيئة العربي فرصة لتقييم الجهود المبذولة في مجال حماية البيئة، ونشر الثقافة البيئية، وتشجيع المبادرات التي تسهم في الحد من التلوث، وترشيد استهلاك الموارد، وتعزيز مفاهيم التنمية المستدامة. كما يؤكد أهمية دمج الاعتبارات البيئية في السياسات والخطط التنموية، لضمان تحقيق التنمية دون الإضرار بصحة الإنسان أو استنزاف الموارد الطبيعية،
تواجه المنطقة العربية مجموعة من التحديات البيئية التي تتطلب استجابة جادة ومتكاملة، يأتي في مقدمتها التغير المناخي وما يصاحبه من ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الحر، وتغير أنماط سقوط الأمطار، وتكرار بعض الظواهر الجوية المتطرفة. وتؤثر هذه التغيرات في الصحة العامة والإنتاج الزراعي وقطاع الطاقة والموارد المائية،
كما تمثل ندرة المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من الدول العربية، في ظل محدودية الموارد المائية العذبة وتزايد الطلب عليها. وهو ما يستدعي ترشيد الاستهلاك، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والتوسع في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها بطرق آمنة، بما يسهم في تعزيز الأمن المائي،
ويأتي التصحر وتدهور الأراضي ضمن القضايا البيئية ذات التأثير المباشر في الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والتنوع البيولوجي. وتتطلب مواجهة هذه المشكلة حماية التربة من التدهور، وزيادة الغطاء النباتي، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتطبيق الممارسات الزراعية المستدامة، بما يتناسب مع الظروف البيئية والمناخية للمنطقة،
إن مواجهة التحديات البيئية لا تقتصر على الحكومات والجهات المختصة، بل تبدأ من سلوك الفرد اليومي، وتمتد لتشمل مسؤولية المؤسسات الصناعية والتعليمية والبحثية والخدمية. فحماية البيئة تتطلب تغيير أنماط الاستهلاك، وتعزيز الالتزام بالتشريعات والمعايير البيئية، وتبني ممارسات مستدامة في مختلف مجالات الحياة والعمل،
تتحمل الأنشطة الصناعية بوجه عام، وصناعة البترول بوجه خاص، مسؤولية كبيرة في حماية البيئة، نظرًا لأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة العربية، وما قد يصاحب أنشطتها من مخاطر بيئية إذا لم تُدار وفق الضوابط والمعايير المعتمدة، وتشمل هذه المسؤولية الإدارة الآمنة للمخلفات الخطرة، والحد من الانبعاثات الملوثة، ومنع التسربات البترولية، ومراقبة التأثيرات البيئية للعمليات التشغيلية، إلى جانب وضع خطط فعالة للاستعداد والاستجابة للطوارئ البيئية. كما يتطلب تحقيق الأداء البيئي المستدام تبني التقنيات الحديثة، ورفع كفاءة العاملين، وتعزيز ثقافة الالتزام البيئي، وإجراء المراجعات والتقييمات الدورية لضمان التحسين المستمر،
يوم البيئة العربي فرصة لتجديد الالتزام بحماية البيئة وصون الموارد الطبيعية، والتأكيد على أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن سلامة البيئة وصحة الإنسان. فمستقبل المنطقة العربية يعتمد على قدرتها على مواجهة التحديات بروح التعاون والمسؤولية والابتكار، ووجود رؤية مشتركة وجهودًا متكاملة تضمن الاستخدام الرشيد للموارد وتحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
كانب المقال: دكتور خالد جمال – استشاري بيئي واستدامة