هشام عياد يكتب: حبر على خط النار..
كيف صنعت الصحافة المصرية ملحمة العبور والكرامة؟
في لحظات الفجر الأولى من السادس من أكتوبر، حين امتزج صفير الرياح بشرارات البارود فوق مياه القناة، كانت الكلمة تشتبك مع الرصاصة في ذات الميدان، وتكتب الصحافة المصرية القومية واحدا من أبهى فصول نضالها الوطني.
لم تكن المطبوعات اليومية مجرد أوراق تطبع وتوزع، بل كانت شريان الحياة الذي ضخ الأمل والكرامة في عروق المواطن المصري، ماردا خرج من ركام مرارة النكسة ليرسم معالم عصر جديد من التفاخر القومي والشموخ.
لقد التحم المحررون العسكريون بتراب الجبهة، وعاشوا بين اللظى ووسط زئير المدفعية ووهج السواتر الترابية الشاهقة، ينقلون بدقة وصدق ملحمة العبور العظيم وشجاعة الجندي الذي قهر خط بارليف الحصين.
زحف الصحفيون بجانب الضباط والجنود، ينامون في الخنادق، ويكتبون تغطياتهم بمداد من نور ونار، محولين مشاهد البطولات الفردية على خط النار إلى ملحمة جماعية تهتز لها القلوب.
ولم تكن هذه الصورة الحقيقية تنقل بلا ثمن، بل دفع الحبر المصري ضريبة الدم الزكية، حيث ارتقى من بين صفوف الصحافة شهداء أبطال جادوا بأرواحهم وهم يحملون الكاميرا والقلم، مؤمنين بأن نقل الحقيقة العارية عن استبسال جيش مصر هو أقدس معاركهم.
وكان في سدة الحكم رجل يعي تماما وزن الكلمة وقوة تأثيرها،
الرئيس أنور السادات، الصحفي الضليع الذي تسلل من بين زحام المطابع وصفحات الجرائد، فكان يقدر دور الإعلام بوعي المجرب وعمق الاستراتيجي.
أدرك السادات أن الصحافة ليست مجرد أداة لنقل الأخبار، بل هي رأس حربة في التهيئة للنصر، والموجهة لأفكار تعيد بناء الروح المعنوية قبل الحرب، وتصون كبرياء الأمة أثناءها، وتقود دفة الرأي العام ببراعة بعدها.
ولم ينتهِ النضال بوقف إطلاق النار، بل امتدت معركة الأقلام إلى أروقة السياسة وموائد السلام، حيث خاض كتاب مصر القوميون صراعا فكريا ودبلوماسيا لا يقل شراسة عن معارك الدبابات.
رافقت الصحافة كل خطوة في مفاوضات السلام، وحمت الوعي القومي قبل وبعد معاهدة كامب ديفيد، متصدية للتشكيك ومؤكدة على هدف واحد أسمى، هو استرداد الأرض كاملة غير منقوصة ووضع حد لاستنزاف الوطن.
وظل الكتاب يشحذون الهمم ويثبتون أركان الوطنية والسيطرة على مقدرات التراب المقدس، حتى تجلت ذروة هذا المجهود في معركة التحكيم الدولي لحسم قضية طابا، والتي واكبتها الصحافة بحشد الأسانيد التاريخية والوثائقية حتى رفرف العلم المصري فوق آخر نقطة من أرض سيناء الحبيبة.
ستظل الصحافة المصرية القومية تاريخا ناصعا يضيء جبين الأمة، ورمزا شامخا للأصالة والرسالة السامية التي لا تعوض.
لقد صنعت بأقلام أبنائها ودماء شهدائها وأصالة كتابها سجلا خلد بطولات الجيش العظيم، ودفعت بالوطن من عتمة الانكسار إلى أفق الانتصار، مقيمة شهادة أبدية على أن الكلمة صادقة الرؤية هي السلاح الذي لا يصدر إلا صدى الخلود.