الإثنين 05 أكتوبر 2026 الموافق 24 ربيع الثاني 1448

وليد لطفي...حين ينحاز القرار لمحبة الناس والكيان

236
المستقبل اليوم

هناك رجال تعرفهم من كثرة ما يقولون، ورجال تظل تحاول معرفتهم من أثر ما يفعلون، ووليد لطفي من هؤلاء الذين يتركون وراءهم سؤال يستحق التأمل: كيف يحظى رجل بكل هذه المحبة، وهو لا يجيد الحديث مع الإعلام، ولا يعلن عن نفسه، ولا يهوى التصريحات؟

داخل قطاع البترول، وبين أبناء بتروجت، وحتى في الوسط الصحفي الذي يعيش على الكلام ويبحث عن أصحابه، تبدو محبة الرجل واضحة جلية، كأن هناك لغة أخرى وصلت إلى الناس، بعيداً عن المقابلات والعناوين والصور، فمن أين جاءت هذه المحبة؟ من سمات في وليد لطفي نفسه؟ أم من مكانة بتروجت في قلوب الآلاف؟ أم من شيء يتكوّن بين الإنسان والمكان، يصعب أن نفصل أحدهما عن الآخر؟

بتروجت ليست مجرد اسم شركة بالنسبة إلى أبنائها، إنها سنوات من العمر، ومواقع عمل بعيدة، ووجوه تقاسمت التعب، وبيوت انتظرت عودة الغائبين، وراء اسمها حكايات لا تظهر في تقارير مكتوبة، حكايات آباء ربّوا أبناءهم من رزقها، وشباب دخلوا أبوابها ثم كبروا معها، وأناس تركوا في مشروعاتها شيئاً من صحتهم وأحلامهم.

ولهذا فإن من يتولى مسؤوليتها يقف أمام ميراث من المشاعر، إلى جانب مسؤوليات الإدارة والعمل، وربما تمنحه مكانة الشركة فرصة أولى للاقتراب من قلوب أبنائها، لكن بقاءه فيها يحتاج إلى شيء يخصه هو، فالناس قد يحترمون الموقع، أما المحبة فتحتاج إلى سبب أبعد من الكرسي.

لعل بعض هذا السبب في هدوء وليد لطفي، في أنه يعمل داخل منظومة قطاع البترول دون أن يسعى إلى احتلال واجهتها، وفي زمن يكاد كل فعل فيه يطلب صورة، وكل خطوة تبحث عن تصريح، يثير الرجل الذي ينشغل بعمله فضول الناس، ثم يكسب تقديرهم حين يجدون أثره.

واللافت أكثر هو هذه المحبة في الوسط الصحفي، فالصحفي يريد من المسؤول أن يتكلم، وأن يشرح، وأن يمنحه خبراً يصلح للنشر، ووليد لطفي، كما يعرفه من يتعاملون معه، لا يسهل عليه هذا الطريق، ومع ذلك، يبدو أن قلة الكلام لم تصنع حاجز بينه وبينهم، وربما وجدوا في تحفظه طبعًا، وفي ابتعاده عن الإعلان عن نفسه قدرًا من الصدق يستحق الاحترام.

لكن الصمت وحده لا يصنع محبة، مثلما أن كثرة التصريحات لا تمنح صاحبها مكانًا مضمونًا في القلوب، ما يمنح الصمت قيمته هو ما يراه الناس خلفه، وربما لهذا ينبغي البحث عن سر وليد لطفي في تفاصيل التعامل اليومي، وفي الانطباع الذي يتركه بعد اللقاء، وفي أشياء صغيرة قد لا تستحق أن تكون خبراً، لكنها تبقى في ذاكرة أصحابها طويلًا.

لا أظن أن لهذه المحبة تفسيرًا واحدًا واضح، لعلها بدأت من بتروجت، ثم وجدت في الرجل ما يبقيها، ولعلها بدأت منه، ثم اتسعت بحجم المكان الذي يقوده، وربما أحب الناس فيه اجتماع الأمرين: رجل قليل الكلام، يحمل مسؤولية كيان كثير الحكايات.

ولا يحتاج هذا التأمل إلى أن يحول صاحبه إلى رجل بلا أخطاءد فالمحبة ليست شهادة بإعفاء أحد من التقييم أو المساءلة، لكنها تظل معنى إنسانيًا يستحق أن نفهمه، خاصة حين تنشأ دون إلحاح من صاحبها، ودون أن يطلب من الناس أن يحبوه.

وليد لطفي يعمل في الظل، لكن يبدو أن شيئًا منه وصل إلى القلوب، وربما كان أجمل ما في حكايته أن السؤال عن سر محبته يظل مفتوحًا، بينما المحبة نفسها حاضرة.

فهناك رجال يتركون للناس تصريحات يتذكرونها، وهناك رجال يتركون شعورًا طيبًا يصعب على الناس أن يجدوا له الكلمات.

ولعل المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، قد أدرك بحسّه أن وليد لطفي يستحق أن يستمر على رأس بتروجت، وأن وراء هدوء الرجل وقلة كلامه خبرة تستحق أن تُمنح فرصة لمواصلة العمل.

فإذا قرر الوزير التجديد له، فربما يكون قد التقط ذلك المعنى الذي يشعر به كثيرون، ولا يجدون دائماً الكلمات التي تشرحه: أن بعض الرجال تتجاوز علاقتهم بمؤسساتهم حدود المنصب، لتصبح معرفة بتفاصيلها، وإحساسًا بمسؤوليتها، وارتباطًا بأبنائها.

ولهذا وجد القرار صداه في قلوب من يحبون وليد لطفي ويعتزون ببتروجت، لكن القرار ذاته وضع على عاتقه أيضاً مسؤولية أكبر، أن يظل جديراً بهذه الثقة، وأن يرد على المحبة بالطريقة التي يعرفها: مزيدًا من العمل، وقليلًا من الكلام.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط