وزير أزمة أم أزمة وزير؟
لن تجد تعبيرًا لتعيين وزير جديد للبترول آنذاك أفضل من أنه وزير أزمة، جاء بعد نظيره طارق الملا على خلفية أزمة لم يخلقها، أو حتى شارك فيها، سواء كان رئيسًا أو مرؤوسًا، بل إنه جاء من خارج دولاب العمل الحكومي برمته.
جاء في واقع أزمة طاحنة في عملية تدبير الغاز لتوليد الكهرباء، وقطاع مفعم بمشاكل عمالية لا نهاية لها، وشركاء غاضبون من تراكم استحقاقاتهم، وظروف تقاعد للعاملين فيه غاية في السوء، وفرق تسعى لاختطاف أي فرص للتجديد أو الحصول على مناصب، وهيئة استشارية متجذرة تسعى لفرض سلطتها بكل ما أوتيت من قوة الخبرة والعلاقات.
كان وزير أزمة بحق، وجد خليطًا من المشاكل قلما تجده في وزارة واحدة بهذا الشكل، حاسبه الرأي العام والحكومة على انخفاض إنتاج الغاز بعد أسبوع واحد من توليه المنصب، لم يحاسب الناس المسؤولين على إنتاج القمح، وهو يوازي في أهميته، بل يزيد عن إنتاج الغاز والطاقة، وعلى استيراد كميات هائلة منه لتغطية عجز الإنتاج المحلي منذ سنوات طويلة، حاسبه الناس وكأنهم باتوا جميعًا خبراء في الصناعة، وعلى أرقام الإنتاج يومًا بيوم.
الرجل دخل معتركًا صعبًا بلا شك، ولكن منصب الوزير منصب سياسي لا يعترف إلا بالأرقام، ولا يعني الرأي العام سوى النتائج، ولا يأبه عادة بالمبررات حتى لو كانت منطقية، وهذا وضع يجب قبوله والتعامل معه بهدوء وحذر.
الأرقام بالفعل لا تكذب، والانخفاض في الإنتاج لم يتوقف بعد، والأجندة البرلمانية تتابعه عن كثب في كل مراحل عمله، ولسنا هنا في معرض الدفاع أو ركوب موجة الهجوم، ولكن نضع أنفسنا في مربع التحليل المحايد.
هذا هو منحنى إنتاج الغاز منذ عام ٢٠١٢ وحتى الآن، والأرقام بالطبع لا تكذب أو تتجمل، ولكن علينا تحليلها بشكل واقعي ومحايد.
السنة الأولى لولاية الوزير ٢٠٢٤، كان بالفعل وزير أزمة، لأنه كما أسلفنا جاء على خلفية أزمة طاحنة داخل الوزارة وخارجها، وكان الرأي العام ينتظر عصاه السحرية في زمن لم يعد يمنح هذه النعمة.
حاول إدارة الأزمة بشكل أو بآخر، وكانت كلفتها الاقتصادية كبيرة بالفعل، ولكن لم يكن هناك حل سريع آخر، تخلص أيضًا من مشاكل كبيرة في ديوانه، وأعاد الهدوء إلى طبقة العمال وطمأنهم، وعمل على تحييد مشاكل الشركاء، وحاول إرضاء المتقاعدين بقدر ما يملك من خبرة في التعامل مع مثل هذه المشاكل المتداخلة.
ولكن السنة الثانية واجه أزمة أخرى، وقد بات مطالبًا باستراتيجيات جديدة واضحة لعمل قطاع البترول وعودته إلى مساره الصحيح، إنتاج الغاز يواصل الهبوط، كما يوضح الشكل المرفق، وحل الاستيراد مكلف للغاية، وتزداد الأزمة تعقيدًا بنشوب الحرب في الإقليم مع ارتفاع هائل في أسعار النفط والغاز.
محاولات تغيير القيادات لإنعاش الشركات لم تسفر عن نجاح في مواجهة هذه الأزمة، ودفعات العمل في النشاط التعديني تستلزم وقتًا، وبالتالي انتهت أزمة السنة الأولى، ودخل في أخرى أشد وطأة.
والإنصاف هنا يحتم أن نذكر أن هناك أرضية تم بناؤها بالفعل خلال السنة الثانية، من اكتشافات كبيرة للغاز، واستقرار في إنتاج الزيت الخام، وخلق فرص عمل لشركات المشروعات في الخارج، ومحاولات لوضع نشاط البتروكيماويات على الخريطة، ولكن كل هذا يقع في مرحلة الغرس الذي لم ينبت بعد، وهذه هي أزمة السنة الثانية الحقيقية.
إنها سنة الغرس، لا الإنبات والحصاد، الذي يمكن أن نراه ربما ببداية عام ٢٠٢٨.
هذا هو مجمل القول المنصف في رأينا، بدون الدخول في مقارنات أو تفنيد آراء أخرى، لأن كل رأي يُحترم طالما أن مصلحة البلاد العليا هي الهدف.
والسؤال: هل يسعف الوقت هذا الوزير الذي يواجه الظروف والحظ معًا؟، هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.
----------------
تقرير تحليلي من مركز أبحاث المستقبل