د جمال القليوبي يكتب: قد تتولي المرأة كل المناصب في القطاع…ولكن!
منذ سنوات طويلة كان العمل في قطاع البترول يُنظر إليه باعتباره من أكثر القطاعات ارتباطًا بالرجل، نظرًا لما يتطلبه من أعمال ميدانية شاقة داخل الحقول الصحراوية والبحرية، والعمل فوق منصات الحفر والإنتاج، والتعامل مع المعدات الثقيلة والعمليات التي تستمر على مدار الساعة. إلا أن التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهدته صناعة البترول خلال العقود الأخيرة، وما صاحب ذلك من تطور في أساليب الإدارة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم عن بُعد، أدى إلى تغيير كثير من المفاهيم التقليدية، وأصبح الباب مفتوحًا أمام المرأة لتثبت قدرتها على العمل والنجاح في مختلف تخصصات صناعة النفط والغاز.
ولم يعد وجود المرأة داخل شركات البترول يقتصر على الوظائف الإدارية أو المكتبية، بل أصبحت تعمل في الاستكشاف الجيولوجي، وهندسة الحفر، والإنتاج، والتكرير، والبتروكيماويات، والسلامة والصحة المهنية، وإدارة المشروعات، والاقتصاد والطاقة، بل ووصلت في بعض الدول إلى رئاسة شركات بترول عالمية، وإدارة مؤسسات عملاقة تتعامل مع استثمارات بمليارات الدولارات.
ومن هنا ظهر سؤال مهم يفرض نفسه بقوة: هل تستطيع المرأة أن تتولى جميع المناصب القيادية داخل قطاع البترول؟
قد تبدو الإجابة في الوهلة الأولى لدى البعض أنها نعم، بينما يرى آخرون أن طبيعة هذا القطاع تجعل بعض المناصب أكثر ملاءمة للرجل. وبين الرأيين، تبقى الحقيقة أكثر موضوعية، فالقضية لا تتعلق بالرجل أو المرأة، وإنما بطبيعة الوظيفة نفسها، وبالمؤهلات المطلوبة لشغلها.
لقد أثبتت المرأة المصرية أنها قادرة على تحقيق نجاحات كبيرة عندما أتيحت لها الفرصة. ففي العديد من شركات البترول الوطنية والعالمية أصبحت السيدات يشغلن مواقع قيادية في التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار، والموارد البشرية، والشؤون المالية، والشؤون القانونية، والتسويق، وإدارة المشروعات، والبحث والتطوير، بل وحتى في بعض إدارات العمليات الفنية. ولم يكن وصولهن إلى هذه المناصب نتيجة المجاملة، وإنما نتيجة سنوات طويلة من الدراسة والخبرة والعمل الجاد.
ولكن… وهنا يجب أن نتوقف أمام كلمة “ولكن”، لأنها تمثل جوهر القضية حيث إن الدعوة إلى تمكين المرأة لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة لإلغاء معايير الكفاءة أو استبدالها بمعايير تقوم على تحقيق مساواة شكلية في الأعداد. فصناعة البترول ليست مؤسسة إدارية تقليدية، وإنما صناعة تعتمد على أعلى درجات الانضباط الفني، وإدارة المخاطر، وسرعة اتخاذ القرار، والعمل في بيئات تشغيلية قد تكون من أصعب بيئات العمل في العالم.
هناك بعض المناصب القيادية، خاصة في مجالات الحفر والإنتاج والعمليات البحرية، تتطلب خبرات ميدانية تراكمية اكتسبها صاحبها من سنوات طويلة داخل مواقع العمل، كما تتطلب استعدادًا دائمًا للانتقال بين مواقع الإنتاج، وتحمل ضغوط العمل، وإدارة الأزمات في أي وقت. وهذه المتطلبات لا ترتبط بجنس معين، وإنما ترتبط بقدرة الشخص الذي يشغل المنصب على الوفاء بمتطلبات الوظيفة.
لذلك فإن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمنح المناصب على أساس تحقيق المساواة في النوع، وإنما تتحقق عندما تكون المنافسة مفتوحة أمام الجميع، ويكون الاختيار مبنيًا على الكفاءة والخبرة والإنجاز والقدرة على القيادة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول طبيعة بعض الأعمال إلى مبرر لحرمان المرأة من فرص التدريب أو المشاركة في الأعمال الميدانية أو اكتساب الخبرات الفنية التي تؤهلها مستقبلًا للوصول إلى المناصب العليا. فكلما توسعت فرص التدريب والتأهيل، ازدادت قاعدة الكفاءات القادرة على المنافسة، وهو ما يصب في مصلحة قطاع البترول بأكمله.
ولذا فان المنطلق يبرز سؤال آخر ربما يتردد في أذهان كثير من السيدات العاملات في قطاع البترول، بل وربما يشغل في الخفاء الرأي العام أيضًا، وهو: هل يمكن أن نشهد في المستقبل وزيرة للبترول في مصر؟ وحتما فان الإجابة من حيث المبدأ هي: نعم، فلا يوجد نص قانوني أو مهني يمنع المرأة من تولي هذا المنصب. فالوزارة ليست وظيفة ميدانية، وإنما مسؤولية سياسية وتنفيذية واستراتيجية تقود واحدًا من أهم القطاعات الاقتصادية في الدولة، والذي يمثل مصدرًا رئيسيًا للدخل القومي، ويؤثر بصورة مباشرة في أمن الطاقة والاستثمار والصناعة والتنمية.
لكن هذا السؤال يقودنا إلى سؤال أكثر عمقًا، وهو: إذا أصبحت هناك وزيرة للبترول، فما هو التخصص العلمي الذي يجب أن تمتلكه؟ هل ينبغي أن تكون مهندسة بترول؟ أم مهندسة كيميائية؟ أم جيولوجية؟ أم خبيرة اقتصاد وطاقة؟ أم متخصصة في الإدارة أو المحاسبة؟ وهنا فان حقيقة الواقع، لا توجد إجابة واحدة قاطعة على هذا السؤال. فمنصب وزير البترول لا يعتمد فقط على المعرفة الفنية، بل يتطلب مزيجًا متكاملاً من الخبرة الفنية والإدارية والاقتصادية والسياسية. فالوزير مسؤول عن إدارة منظومة ضخمة تضم شركات البحث والاستكشاف، والإنتاج، والتكرير، والبتروكيماويات، والغاز الطبيعي، والثروة المعدنية، إلى جانب التفاوض مع الشركات العالمية، ووضع السياسات العامة، وإدارة الاستثمارات، ومتابعة التشريعات، وتمثيل الدولة في المحافل الدولية.
ومن هنا، فإن الخلفية الهندسية أو الجيولوجية قد تمنح الوزير فهمًا أعمق للجوانب الفنية للصناعة، لكنها وحدها لا تكفي. وفي المقابل، قد يمتلك شخص من خلفية اقتصادية أو إدارية خبرات استثنائية في إدارة المؤسسات الكبرى وصنع القرار، إذا كان قد عمل سنوات طويلة داخل القطاع واكتسب فهمًا حقيقيًا لطبيعته وتعقيداته.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل الوزير رجل أم امرأة؟ أو ما هو تخصصه الجامعي؟ وإنما يجب أن يكون: هل يمتلك هذا الشخص المعرفة والخبرة والقدرة على قيادة قطاع البترول والثروة المعدنية والذي يعد من أكثر القطاعات تعقيدًا وتأثيرًا في الاقتصاد الوطني؟
ولعل التجارب السابقة من وزراء سابقين ومعدودين علي أصابع اليد حيث قادوا القطاع الي تقدم حيث تبنوا فكرة بناء كوادر من الرجال والنساء نفذوا نماذج من النجاحات المتعددة التي اثبتت قدرتها في قيادة قطاع الطاقة دون ارتباط بجنس او بالنوع، وإنما بالكفاءة. فقد تولت سيدات في عدد من الدول مناصب وزارية وقيادية في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية، ونجحن في إدارة ملفات معقدة تتعلق بالطاقة التقليدية والمتجددة، وجذب الاستثمارات، والتحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون. وفي المقابل، شهد العالم أيضًا رجالًا لم ينجحوا في إدارة قطاعات الطاقة رغم خلفياتهم الفنية، لأن القيادة لا تعتمد على المؤهل العلمي وحده، وإنما على القدرة على بناء فرق العمل، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وإدارة الأزمات، وتحقيق التوازن بين الاعتبارات الفنية والاقتصادية والسياسية.
إن قطاع البترول المصري يمتلك اليوم كوادر نسائية متميزة في مختلف التخصصات، وبعضهن يشغلن بالفعل مواقع قيادية مهمة داخل الشركات والهيئات. ومن الطبيعي أن تزداد فرص وصول المرأة إلى مواقع أعلى كلما اكتسبت خبرات أوسع في الإدارة والعمليات والتخطيط وصنع القرار. لكن في الوقت نفسه، يجب أن يبقى الوصول إلى هذه المناصب قائمًا على المنافسة العادلة، وليس على مبدأ التمييز الإيجابي أو تحقيق نسب تمثيل محددة.
فالقطاع لا يبحث عن رجل أو امرأة، وإنما يبحث عن قائد يستطيع الحفاظ على ثروات الدولة، وتعظيم الاستفادة من مواردها، وجذب الاستثمارات، وتحقيق أعلى معدلات الكفاءة والإنتاج، وتأمين احتياجات السوق المحلية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
وفي النهاية، يمكن القول إن تمكين المرأة في قطاع البترول لا يعني منح المناصب على أساس الجنس، كما أن خصوصية بعض الوظائف لا ينبغي أن تكون سببًا في إقصاء المرأة المؤهلة. فالطريق الصحيح هو توفير فرص متساوية في التعليم والتدريب والعمل الميداني والتدرج الوظيفي، ثم ترك المنافسة تحسم النتيجة وفق معايير موضوعية وشفافة .
والي تكمله قادمة