وائل عطية يكتب: بعد بيت الوطن وجمارك السيارات... هل جاء دور البترول؟
في عالم صناعة البترول لم تعد الثروة الحقيقية تقتصر على من يمتلك حقول البترول والغاز، بل أصبحت لمن يمتلك مراكز التخزين ومصانع التكرير ومنصات التداول وشبكات الخدمات اللوجستية.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع سنغافورة وروتردام والفجيرة وغيرها إلى التحول إلى مراكز عالمية لتجارة البترول رغم أن بعضها لا يمتلك احتياطيات نفطية كبيرة. فقد أدركت هذه المراكز مبكرًا أن القيمة الاقتصادية لم تعد في إنتاج البرميل فقط وإنما في إدارة حركة البرميل منذ وصوله إلى الميناء وحتى إعادة تصديره بعد التخزين أو التكرير.
اليوم تبدو مصر وكأنها تسير في الاتجاه نفسه. فمشروع توسعات ميناء الحمراء البترولي بمدينة العلمين باستثمارات تبلغ نحو ٤٥٧ مليون دولار ليس مجرد مشروع لزيادة السعات التخزينية من ٢.٥ مليون برميل إلى ٥.٣ مليون برميل مع خطة للوصول إلى ٢٠ مليون برميل بحلول عام ٢٠٣٠، بل هو إعلان عملي عن دخول مصر مرحلة جديدة في صناعة البترول تقوم على التخزين والتداول والخدمات اللوجستية.
كما أن الشراكة بين الهيئة المصرية العامة للبترول ممثلة في شركة ويبكو وشركة الفجيرة الإماراتية تمثل نموذجًا يعكس الثقة في المقومات التي تمتلكها مصر سواء من حيث الموقع الجغرافي أو البنية الأساسية أو القدرة على خدمة أسواق أوروبا والبحر المتوسط وأفريقيا.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو... إذا كانت الدولة تنشئ البنية التحتية فمن الذي سيقود النشاط التجاري فوق هذه البنية؟
وهل يظل هذا النشاط مقتصرًا على الشركات العالمية أم يمكن أن يكون للمصريين نصيب حقيقي فيه؟
من هنا تبرز فكرة تستحق الدراسة والنقاش وهي تأسيس شركة مساهمة للمصريين العاملين بالخارج برأسمال مقوم بالدولار الأمريكي تتخصص في تجارة وتداول النفط الخام والمنتجات البترولية وفقًا للتشريعات المصرية وبالتنسيق مع الجهات المختصة.
هذه الفكرة لا تستهدف منافسة الهيئة المصرية العامة للبترول أو الشركات الوطنية، بل تستهدف خلق ذراع استثماري وتجاري وطني يشارك في النشاط الذي تبني الدولة بنيته الأساسية اليوم.
التخزين وحده لا يصنع القيمة، الميزة الكبرى التي تمتلكها مصر لا تقتصر على التخزين وإنما تمتد إلى امتلاك واحدة من أحدث منظومات التكرير في المنطقة. فخلال السنوات الأخيرة استثمرت الدولة مليارات الدولارات في تحديث وتطوير معامل التكرير فى ميدور وأسيوط و مسطرد، والسويس إلى جانب المشروعات الجديدة الجاري إنشائها أو استكمالها.
وهنا تبرز فرصة اقتصادية مهمة تتمثل في تعظيم الاستفادة من الطاقات التكريرية المتاحة بحيث لا تقتصر المصافي على تكرير الخام المحلي وإنما تستقبل أيضًا خامات يتم استيرادها خصيصًا لأغراض التجارة ثم تُعاد تصديرها في صورة منتجات بترولية عالية القيمة.
وبذلك تتحول مصر من دولة تقدم خدمة التخزين فقط إلى دولة تقدم حزمة متكاملة من الخدمات تشمل التخزين والتكرير والتداول وإعادة التصدير.
يمكن للشركة المقترحة أن تعمل وفق نموذج تجاري متكامل يقوم على شراء شحنات خام من الأسواق العالمية وتخزينها في ميناء الحمراء أو غيره من الموانئ المصرية ثم التعاقد مع المصافي المصرية لتكريرها مقابل رسوم معالجة أو من خلال شراء طاقات تكريريه متاحة قبل إعادة تصدير المنتجات البترولية إلى الأسواق المستهدفة.
وهذا النموذج معمول به في العديد من المراكز العالمية لتجارة الطاقة ويحقق قيمة اقتصادية أعلى بكثير من الاكتفاء ببيع النفط الخام أو تقديم خدمات التخزين فقط.
والسؤال الذي سيطرحه القارئ ... لماذا المصريون بالخارج؟
لأنهم يمتلكون ثلاثة عناصر يصعب جمعها في كيان واحد: رؤوس أموال بالدولار وخبرات واسعة في شركات الطاقة العالمية ورغبة متزايدة في الاستثمار داخل مصر من خلال مشروعات ذات جدوى اقتصادية حقيقية.
وبدلًا من أن تظل تحويلاتهم تذهب إلى أنشطة استهلاكية أو استثمارات تقليدية يمكن توجيه جزء منها إلى قطاع استراتيجي يحقق عائدًا للمستثمر ويضيف قيمة للاقتصاد الوطني.
خلال السنوات الماضية نجحت الدولة في ابتكار أدوات متنوعة لجذب مدخرات واستثمارات المصريين العاملين بالخارج وربطها بمشروعات التنمية.
فقد أطلقت وزارة الإسكان مشاريع عديدة مثل بيت الوطن ودار مصر الذي أتاح للمصريين بالخارج شراء أراضٍ ووحدات سكنية متميزة في المدن الجديدة والعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة بما وفر قناة استثمارية آمنة وأسهم في جذب العملة الأجنبية.
كما تبنت وزارة المالية مبادرة استيراد سيارات المصريين بالخارج مقابل ودائع دولاريه مستردة بالجنيه المصري وهي تجربة استهدفت تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي.
وانطلاقًا من المنطق نفسه قد يكون من المناسب دراسة إطلاق مبادرة استثمارية من جانب وزارة البترول والثروة المعدنية تقوم على تأسيس شركة مساهمة يشارك فيها المصريون العاملون بالخارج برؤوس أموال بالدولار تتخصص في تخزين وتداول وتجارة البترول الخام والمنتجات البترولية مع إمكانية الاستفادة من الطاقات التخزينية الجديدة بميناء الحمراء ومن قدرات التكرير الفائضة التي تمتلكها مصر.
ولن يكون الهدف من هذه الشركة مجرد الاستثمار المالي، بل خلق كيان اقتصادي وطني يشارك في تجارة البترول العالمية ويعظم العائد من الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في موانئ التخزين ومصافي التكرير ويجذب تدفقات دولاريه مستدامة ويمنح المصريين بالخارج فرصة للمساهمة المباشرة في أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية أهمية.
وإذا كانت الدولة قد نجحت في تحويل المصريين بالخارج إلى شركاء في التنمية من خلال الإسكان والمبادرات المالية فقد يكون قطاع البترول هو الخطوة التالية خاصة في ظل رؤية مصر للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة في شرق البحر المتوسط.
لقد نجحت الدولة في بناء البنية الأساسية ونجحت في البدء في تحديث معامل التكرير ونجحت في توقيع شراكات دولية مهمة.
وربما تكون الخطوة التالية هي ابتكار أدوات استثمارية جديدة تسمح للمصريين بالخارج بالمشاركة في صناعة تجارة البترول باعتبارهم شركاء في التنمية وليسوا فقط مصدرًا للتحويلات الدولارية.
إن إنشاء شركة وطنية لتجارة وتداول البترول برؤوس أموال المصريين بالخارج ليس مجرد فكرة استثمارية، بل قد يمثل نموذجًا جديدًا لربط المدخرات المصرية العالمية بمشروعات الدولة الاستراتيجية وتعظيم العائد من الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في البنية التحتية لقطاع البترول.
وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تستطيع مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لتجارة البترول؟
بل: كيف نجعل المصريين أنفسهم شركاء في هذا التحول الكبير؟