د أمير صالح يكتب: إدارة بنكهة شعبية..حين تروي الأمثال ما لم تقله الكتب
رؤية السلسلة:
لأن الحكمة لا تولد دائمًا في قاعات الدراسة، بل قد تولد أيضًا في الشارع والبيت والسوق وبين الناس، جاءت فكرة “إدارة بنكهة شعبية”. فهي سلسلة مقالات تعيد قراءة الأمثال والحكم الشعبية من منظور إداري معاصر، لتكشف كيف تختزن خبرات الأجيال دروسًا ما زالت قادرة على إلهام القيادات، وبناء المؤسسات، وصناعة بيئات عمل أكثر عدالة وإنسانية.
العدد الأول
النواح الذي لا يسمعه أصحاب القرار
حين يغادر الدافع الموظف قبل أن يغادر هو المؤسسة، قد يبقى الموظف في مكانه سنوات، لكن الدافع قد يرحل في لحظة.
يتداول الناس مثلًا شعبيًا يقول: “اللي يتاجر في الأرواح ما يعرفش النواح”.
وفي الوجدان الشعبي ارتبط هذا المثل بمن اعتاد التعامل مع الكائنات الحية بيعًا وشراءً، حتى أصبح مشهد الفقد بالنسبة إليه أمرًا مألوفًا، فلم يعد يتوقف كثيرًا أمام النواح أو البكاء كما يفعل غيره.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول أصل هذا المثل، فإن معناه يحمل دلالة إنسانية عميقة، مفادها أن الاعتياد قد يفقد الإنسان قدرته على الإحساس بما يشعر به الآخرون.
وربما لم يقصد قائل هذا المثل عالم الإدارة، لكنه عبّر، دون أن يدري، عن واحدة من أخطر القضايا التي تواجه المؤسسات في عصرنا.
فليس كل نواح يُسمع، وليس كل ألم يعلن عن نفسه.
فهناك نواح صامت لا تلتقطه التقارير، ولا ترصده مؤشرات الأداء، ولا تنقله اجتماعات العمل.
إنه نواح الموظف الذي أفنى سنوات عمره مؤمنًا بأن الكفاءة والإخلاص والاجتهاد هي الطريق الطبيعي للتقدم، ثم وجد أن الواقع لا يسير دائمًا بهذه القواعد.
ونواح صاحب الخبرة الذي ينتظر ترقية مستحقة، فلا يجد سوى الانتظار.
ونواح الكفاءات التي تمتلك القدرة على القيادة، لكنها ترى الوظائف القيادية تذهب إلى غير الأجدر، فتبدأ الثقة في التراجع، ويخفت الأمل.
ونواح المبدعين الذين يقدمون أفكارًا وحلولًا، ثم يشعرون أن ما يقدمونه لا يجد التقدير الذي يستحقه.
هذا هو النواح الذي لا يسمعه كثير من أصحاب القرار.
لا لأنه غير موجود، بل لأنه لا يرفع صوته.
إنه يظهر في تراجع الحماس، واختفاء المبادرة، وانخفاض الإنتاجية، وضعف الانتماء.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
فالمؤسسة لا تبدأ في خسارة موظفيها عندما يقدمون استقالاتهم، وإنما تبدأ في خسارتهم عندما يفقدون دوافعهم وهم ما زالوا على رأس العمل.
فالإنسان الذي يغادره الأمل يبقى بجسده، لكنه يرحل بعقله وإبداعه وشغفه.
ولهذا، فإن العدالة في الترقيات ليست امتيازًا تمنحه المؤسسة، وإنما استثمار في مستقبلها، ورسالة تؤكد أن الاجتهاد لا يضيع، وأن الكفاءة تجد طريقها، وأن الفرص تُمنح لمن يستحق.
كما أن إتاحة الفرصة لأصحاب الكفاءة لتولي الوظائف القيادية ليست مجرد قرار إداري، بل هي إعلان عملي بأن المؤسسة تؤمن بصناعة الصف الثاني، وتجديد الدماء، والحفاظ على خبراتها.
ومن هنا يأتي الدور الحقيقي لإدارة الموارد البشرية.
فهي ليست إدارة للحضور والانصراف، ولا جهة لتطبيق اللوائح والجزاءات فحسب.
بل هي القلب الذي يحافظ على نبض المؤسسة، والعقل الذي يكتشف المواهب، والجسر الذي يربط بين أهداف المؤسسة وطموحات العاملين.
فإذا اختُزل دورها في الإجراءات فقدت رسالتها.
وإذا نجحت في بناء الإنسان نجحت المؤسسة بأكملها.
إن أصحاب القرار لا يحتاجون فقط إلى قراءة الأرقام، بل إلى قراءة الوجوه.
ولا يحتاجون فقط إلى متابعة التقارير، بل إلى الإنصات لما لا يُقال.
فكل موظف يفقد ثقته في العدالة يحمل في داخله بذرة إحباط.
وكل كفاءة لا تجد فرصتها تمثل خسارة مؤجلة.
وكل قرار عادل يعيد الحياة إلى حلم، ويبعث رسالة بأن الإخلاص ما زال يجد من يقدره.
يقولون إن الذي يتاجر في الأرواح لا يعرف النواح.
لكن القيادة الحقيقية هي التي تسمع النواح قبل أن يتحول إلى استقالات، وقبل أن يتحول الإحباط إلى ثقافة، وقبل أن يصبح الصمت لغة داخل المؤسسة.
فالنواح الذي لا يسمعه أصحاب القرار اليوم قد يسمعونه غدًا في صورة انخفاض الإنتاجية، أو هجرة الكفاءات، أو تراجع الانتماء.
وعندها لن يكون السؤال: لماذا رحل الموظفون؟
بل: لماذا رحلت دوافعهم ونحن لم ننتبه؟
فالعدالة لا تمنح الموظف حقه فقط، بل تمنح المؤسسة مستقبلها.
ومضة إدارية
ليست كل الاستقالات تُكتب على الورق، فبعضها يبدأ عندما يفقد الموظف إيمانه بأن العدالة ما زالت ممكنة.
د. أمير أحمد صالح رأفت
دكتوراه في إدارة الأعمال