الأحد 03 مايو 2026 الموافق 16 ذو القعدة 1447

رئاسة شركات البترول… هل التخصص شرط أم أن الإدارة هي الأساس ؟

621
المستقبل اليوم

لم يعد السؤال حول اشتراط الخلفية الفنية لتولي رئاسة شركات البترول مجرد نقاش نظري، بل أصبح مطروحًا بقوة في ظل نماذج متكررة داخل قطاع البترول، وأيضاً في كبرى الشركات العالمية، تؤكد أن “الإدارة” مسار مختلف عن “التخصص الفني”.

ففي الوقت الذي نشأ فيه القطاع تاريخياً على قاعدة أن “المهندس أو الجيولوجي أو الكيميائي هو القائد الطبيعي”، بدأت هذه القاعدة تتآكل تدريجياً مع صعود مفاهيم الحوكمة والإدارة الحديثة، التي ترى أن قيادة الشركات الكبرى لا ترتبط فقط بالخبرة الفنية، بل بقدرات أوسع تشمل الإدارة الاستراتيجية والتمويل والتسويق ووإدارة المخاطر.

في الشركات العالمية الكبرى، لم يعد غريبًا أن يقود شركات طاقة عملاقة رؤساء تنفيذيون بخلفيات غير هندسية، والمنطق هنا واضح، أن المهندس يصنع القرار الفني، لكن القائد التنفيذي يصنع القرار الاستراتيجي، وبالتالي، يتم الاعتماد على فرق فنية قوية، بينما يتولى الرئيس التنفيذي توجيه الدفة، وإدارة الموارد، وتحقيق الربحية والنمو.

قطاع البترول لم يكن بعيدًا عن هذا التوجه، وإن كان تطبيقه لا يزال محدودًا ومحاطًا بالجدل، لكنه شهد تعيينات لرؤساء شركات من خلفيات غير هندسية، وعين محاسبين قادوا شركات تعمل في التسويق والبتروكيماويات مثل المحاسب هشام نور الذي قاد شوكتي إيلاب وموبكو، وسعيد مصطفى خريج كلية الاعلام الذي قاد شركتي بتروتريد ومصر للبترول، والمحاسب حسام التوني الذي يقود شركة ميداليك للكهرباء حالياً، واخيراً السيدة هبه عبدالقادر التي عينت رئيساً لشركة النيل للبترول، ومعظمها كوادر ذات خلفيات مختلفة أثبتت كفاءة، كما امتد الأمر إلى مواقع مؤثرة داخل الوزارة، ورأينا الدكتور اسامه مبارز مسئولاً عن المكتب الفني لوزارة البترول رغم انه خريج آداب ، وهذا يعكس إيمانًا جزئيًا بأن “الإدارة علم مستقل”.

والسؤال: هل يصلح ذلك لكل الشركات؟، وهنا جوهر القضية…فليس كل شركات البترول سواء، ويمكن التمييز بين نوعين:
1. شركات ذات طابع فني معقد (الاستكشاف والإنتاج – التكرير-والبتروكيماويات التخصصية)
وهذه الشركات، تعتمد على قرارات هندسية دقيقة وتتعامل مع مخاطر تشغيلية عالية وتحتاج فهمًا عميقًا للتكنولوجيا والجيولوجيا، وفي هذه الحالة، يظل وجود قائد بخلفية فنية ميزة كبيرة، إن لم يكن ضرورة.

2- شركات ذات طابع تجاري/خدمي (التسويق – التوزيع – الخدمات)، وهذه الشركات، تعتمد على الإدارة والتسويق والتمويل وتركز على الكفاءة التشغيلية والانتشار، وتحتاج مهارات تفاوض وإدارة أعمال، وهنا، قد لا يكون التخصص الهندسي شرطًا، بل ربما تكون الخلفيات المالية أو الإدارية أكثر ملاءمة.

لكن، تعيين قيادات غير تقليدية قد يحقق عدة مكاسب، منها تنوع في الفكر الإداري وكسر النمط التقليدي، وتعظيم الكفاءة الاقتصادية وخصوصًا في الشركات التجارية، وتحسين الحوكمة، وهي فصل الإدارة عن التنفيذ الفني، والتركيز على الربحية والاستدامة

لكن في المقابل، هناك تحديات حقيقية منها: فجوة الفهم الفني قد تؤثر على جودة القرار والاعتماد الزائد على المستشارين
ورفض داخلي من الكوادر الفنية
واحتمال سوء التقدير في الأزمات التشغيلية الفنية .

وهنا لابد من التقييم، هل هو إيجابي أم سلبي؟، والإجابة ليست “نعم” أو “لا”بل “أين وكيف؟”
فالقرار يكون إيجابي إذا تم توظيفه في الشركات ذات الطابع الإداري والتجاري، مع وجود فرق فنية قوية داعمة، ويكون سلبي، إذا تم تعميمه بشكل عشوائي، خاصة في الشركات ذات الحساسية الفنية العالية

وبشكل عام، القضية ليست في “هل الرئيس مهندس أم لا”، بل في هل يمتلك أدوات القيادة المناسبة لطبيعة الشركة التي يديرها؟

قطاع البترول بدأ يختبر هذا التحول، لكنه لا يزال في مرحلة “التجريب الحذر”، والنجاح الحقيقي لن يكون في كسر القاعدة فقط، بل في وضع معايير واضحة تربط بين نوع الشركة ونوعية القيادة، لأن الإدارة بدون فهم تعتبر مخاطرة، والتخصص بدون إدارة يعتبر نوع من الجمود، والمعادلة الناجحة دائمًا في التوازن بين الاثنين.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط