الأحد 05 أبريل 2026 الموافق 17 شوال 1447

مجرد رأي: شهادة متأخرة في حق محمد الشيمي

311
المستقبل اليوم

عندما تمر الأيام وتتعاقب السنوات، تتكشف حقائق كانت غائبة، وتُعاد قراءة المواقف بعيدًا عن ضغوط اللحظة، وهناك شهادات لا بد أن تُقال، لا مجاملة ولا تبريرًا، وإنما أداءً لحق أدبي وتاريخي في ذمة من عايشوا التجربة وكانوا جزءًا منها.

واليوم، أجد نفسي مدفوعًا بهذه المسؤولية لأدلي بشهادة أراها واجبة في حق المهندس محمد الشيمي، شهادة أمام الله وأمام الناس، لا تُكتب لتغيير الماضي، بل لإنصافه.

حين تولى المهندس محمد الشيمي رئاسة مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة بتروجيت خلال الفترة من 2012 وحتى 2017، لم يكن الأمر عاديًا داخل واحدة من أكبر شركات  البترول في مصر.

لم يكن الرجل من أبناء الشركة، وكانت هذه سابقة لم تعهدها “بتروجيت”، وجاء تعيينه في توقيت شديد الحساسية، تزامن مع فترة حكم الإخوان، وهو ما زاد من حدة التوجس والرفض داخل القطاع وداخل بتروجت.

شخصيًا، كنت أرى أن هذه “الهزة” قد تضر بالشركة، وأن القادم من خارج المنظومة لن يستطيع فهم تركيبتها المعقدة سريعًا، خاصة في ظل مناخ سياسي مرتبك.

ما لا يمكن إنكاره — بل يجب الاعتراف به — أنني كنت أحد أبرز من قادوا الهجوم الصحفي على المهندس الشيمي خلال تلك الفترة، وعلى مدار أكثر من عامين ونصف، لم يمر يوم تقريبًا دون أن أكتب موضوعًا ينتقد أداءه، أحيانًا بدافع القناعة، وأحيانًا — وهذه الحقيقة التي لا أهرب منها — استجابة لضغوط ورغبات من أطراف كانت ترى في هذا النقد وسيلة لتصفية حسابات، بل إن بعض ما نُشر، رغم صحته، كان مجتزأ من سياقه الكامل، وهو ما قد يغيّر الصورة أو يحمّل الأمور أكثر مما تحتمل.

لست وحدي من فعل ذلك، فقد كانت هناك منصات وصفحات — بعضها داخل الشركة وبعضها خارجها — مخصصة بالكامل للهجوم عليه، وهنا، لا بد أن يُسجل هذا الاعتراف كاملًا:
الهجوم كان كثيفًا… وربما في بعض جوانبه غير منصف.


لكن ما يميز الرجال حقًا ليس ما يُقال عنهم، بل كيف يتصرفون عندما يمتلكون القدرة على الرد.
ويشهد الله — وهذه شهادة صادقة — أن المهندس محمد الشيمي لم يلجأ يومًا إلى سلاح السلطة ضد من انتقدوه، ولم يحرك دعوى قضائية واحدة،
ولم يكتب شكوى،ولم يستخدم نفوذًا لإسكات أي صوت، بل كان على العكس تمامًا، صدره كان رحبًا بشكل لافت، إلى درجة أنني — وأنا الذي لم أترك مساحة إلا وانتقدته فيها — كنت إذا التقيته مصادفة، يبادرني بالسلام، يمد يده وكأن شيئًا لم يكن.

هذه ليست مجاملة، بل سلوك متكرر لا يمكن تفسيره إلا بشيء واحد: قوة داخلية حقيقية، وثقة لا تهتز، وهكذا، الأخلاق لا تُقاس فقط في التعامل مع الخصوم، بل في كيفية التصرف تجاه من أساءوا إليك عندما تتاح لك فرصة رد الإساءة.

وأذكر — وهذه واقعة معروفة — أن أحد أكثر من هاجموا المهندس الشيمي، تعرض بعد ذلك لظروف قاسية في حياته، وكان الشيمي قادرًا ببساطة أن يدير له ظهره، أو أن يتركه لمصيره، لكنه لم يفعل.بل مد له يد العون، وساعده على أكمل وجه، وكأن ما حدث لم يكن، وهذه ليست إدارة…هذه أخلاق.


بعد أكثر من عامين ونصف من النقد والهجوم، جلست مع المهندس محمد الشيمي.كان يمكن أن يكون اللقاء متوترًا، أو مشحونًا، أو حتى مستحيلًا.لكنه كان عكس ذلك تمامًا.جلسنا، وتحدثنا، وتعاونّا، وكأن كل ما كُتب في الأمس كان مجرد اختلاف في وجهات النظر، لا حربًا إعلامية. وهنا أدركت أن بعض القيادات لا تُعرّفها المناصب، بل تُعرّفها قدرتها على تجاوز الخلافات دون أن تحمل ضغينة.


وهنا تأتي المقارنة التي لا بد منها.
ففي الوقت الذي اختار فيه المهندس محمد الشيمي طريق الصبر والتسامح، هناك من تولوا مناصب أقل شأنًا، لكنهم لم يحتملوا نقدًا بسيطًا.منهم من سارع إلى المحاكم،ومنهم من لوّح بالبلاغات،ومنهم من تعامل مع الصحفيين باعتبارهم خصومًا لا شركاء في كشف الحقيقة.

والمفارقة أن كثيرًا من هؤلاء:
لم يكن لديهم نفس القدر من العلم،ولا نفس المستوى من الخبرة،ولا حتى نفس المكانة التي كان يشغلها الشيمي.بل إن بعضهم — وهذه حقيقة — لم يمتلك من أدوات القيادة سوى المنصب، بينما افتقد جوهرها الحقيقي:الخلق، والحلم، وسعة الصدر.


وهنا لابد وأن تدرك، أن القيادة ليست في القدرة على العقاب،
بل في القدرة على العفو. وليست في إسكات الأصوات، بل في تحملها. وليست في الانتصار للنفس، بل في الانتصار للقيم.
وهذه المعادلة فهمها المهندس محمد الشيمي جيدًا، فاختار أن يكون أكبر من معاركه، وأوسع من خصومه، وأهدأ من ضجيج من حوله.

هذه الكلمات ليست تراجعًا عن مواقف،ولا محاولة لإعادة كتابة التاريخ،بل هي شهادة أضعها كما هي: رجل تعرّض لهجوم قاسٍ… ولم يرد بالإساءة، بل بالأخلاق.

والآن، وفي هذا الزمن، أصبحت فيه بعض المناصب تُدار بردود الفعل والانفعالات، تبقى تجربة الشيمي تذكيرًا مهمًا بأن هناك نماذج مختلفة، قادرة على أن تمسك بزمام القوة دون أن تفقد إنسانيتها.

وفي النهاية، قد نختلف في التقييمات، وقد تتباين وجهات النظر، لكن تبقى الأخلاق…هي الحكم الأخير.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط