الثلاثاء 24 مارس 2026 الموافق 05 شوال 1447

د شيرين أبو خليل تكتب: إرهاب الكتاب المدرسي

104
المستقبل اليوم

لم يعد الكتاب المدرسي عند كثير من التلاميذ وسيلة للفهم والاكتشاف، بل صار في أحيان كثيرة مصدرًا للرهبة والضغط والتشوش. فبدلًا من أن يفتح أبواب المعرفة أمام الطفل، أصبح أحيانًا يغلقها بالتعقيد والحشو وكثرة التفاصيل التي لا تناسب عمره العقلي ولا قدرته الطبيعية على الاستيعاب، خاصة في المرحلة الابتدائية، وهي أخطر المراحل في تشكيل وعي الإنسان وشخصيته وعلاقته الأولى بالتعلم.

إن الطفل في سنواته الأولى لا يحتاج إلى كم هائل من المعلومات بقدر ما يحتاج إلى طريقة ذكية ومبسطة تجعله يحب المعرفة. لكن ما نراه في بعض المناهج الحالية هو العكس تمامًا؛ إذ يُدفع الطفل إلى حفظ صفحات طويلة، ومفاهيم متشابكة، ومعلومات تتجاوز مرحلته العمرية، وكأن الغرض من التعليم هو إثقال الذاكرة لا تنمية العقل. وهنا يتحول الكتاب المدرسي من صديق إلى خصم، ومن وسيلة للتنوير إلى أداة للإنهاك النفسي والذهني.

الأخطر من صعوبة المناهج ليس فقط تعقيدها، بل ما قد تتضمنه أحيانًا من معلومات تاريخية تقدم بصورة مشوشة، أو ناقصة، أو حتى زائفة، فتزرع في ذهن الطفل تصورات غير دقيقة عن ماضيه وهويته. والتاريخ ليس مادة هامشية يمكن التساهل فيها، لأنه يشكل وجدان الأجيال ووعيها الوطني والثقافي. وعندما يتلقى الطفل حقائق مهتزة أو روايات غير منقحة، فإننا لا نعبث بمعلومة عابرة، بل نشارك في تشكيل وعي مضلل قد يستمر معه سنوات طويلة.

كما أن الحشو المبالغ فيه داخل بعض الكتب الدراسية يمثل أزمة حقيقية. فليس كل ما يمكن معرفته يجب أن يُدرَّس، وليس كل ما يُدرَّس يجب أن يُلقى على الطفل دفعة واحدة. هناك فرق كبير بين التعليم والتكديس، بين بناء الفكر وإغراقه، بين إثارة الفضول وقتل الرغبة في الفهم. إن كثرة الحشو لا تصنع طالبًا مثقفًا، بل كثيرًا ما تصنع طفلًا مرهقًا، ينظر إلى المدرسة على أنها عقوبة يومية، لا رحلة ممتعة لاكتشاف العالم.

ومن المؤسف أن بعض المناهج لا تراعي الفروق الفردية بين الأطفال، ولا تنطلق من واقعهم النفسي واللغوي، فتأتي اللغة أعلى من مستواهم، والأسئلة أبعد من قدرتهم، والمطلوب منهم أكبر من طاقتهم. والنتيجة أن الطفل قد يشعر مبكرًا بالفشل، لا لأنه ضعيف، بل لأن ما قُدم له لم يُصمم من الأصل على مقاس طفولته. وهكذا نفقد بالتدريج ثقته في نفسه، ونربطه بالتعليم عبر الخوف لا عبر الشغف.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط ببناء المدارس أو تغيير أنظمة الامتحانات، بل يبدأ أولًا من مراجعة صادقة وجادة للكتاب المدرسي نفسه: لغته، ومحتواه، وأهدافه، ودرجة ملاءمته لعمر المتعلم. نحتاج إلى مناهج أخف وزنًا، أعمق أثرًا، أكثر صدقًا، وأقرب إلى عقل الطفل وروحه. نحتاج إلى تعليم يعلّم الطفل كيف يفكر، لا ماذا يحفظ فقط. وكيف يسأل، لا كيف يكرر.

فالطفل ليس وعاءً يُملأ بالمعلومات، بل إنسان صغير ينمو بالحب والدهشة والتدرج. وإذا ظللنا نمارس عليه هذا النوع من “إرهاب الكتاب المدرسي”، فلن نصنع جيلًا مبدعًا، بل جيلًا خائفًا من المعرفة، مثقلًا منها، وهاربًا منها لا إليها.

لقد آن الأوان أن نسأل بصدق: هل نريد تعليمًا يصنع الإنسان، أم كتبًا تستعرض عضلاتها على عقل طفل صغير؟
فبين التعليم الحقيقي والإرهاب المعرفي، تقف طفولة كاملة تستحق الرحمة والإنصاف.




تم نسخ الرابط