الغاز يكشر عن أنيابه.. والتدخل الحكومي ضرورة لابد منها
الأوضاع تتدهور بسرعة كبيرة، وكرة الثلج تكبر وتزيح أمامها الضعيف ومن لا يستطيع الصمود أمام تعقيدات الموقف، أو كما صرح رئيس الوزراء بأنه مبهم ولم تعد أبعاده وتداعياته معروفة.
التصريحات تنذر بخطر كبير، خاصة في تكلفة استيراد الغاز التي تضاعفت 3 مرات لتصل حالياً إلى 1.65 مليار دولار شهرياً، وهذه تكلفة باهظة للغاية تؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد وزيادة الأسعار والتضخم في السوق المحلي، والضغط على القوة الشرائية، وبالتالي الدخول في مرحلة من الكساد وما يتبع ذلك من آثار اجتماعية خطيرة.
دخلت الحرب للأسف مرحلة استهداف حقول الغاز في المنطقة، وهذا مؤشر غاية في الخطورة وله تأثيره على السوق العالمي، وما قد يتبع ذلك من ضربات انتقامية قد تصيب منصات الإنتاج في منطقة شرق المتوسط الإقليمية، والذي سيؤدي إلى توقف تدفق الغاز المستورد عبر خط الشرق إلينا، أو التحكم والتشدد في فرض أسعار جديدة له إذا نجا من هذه الضربات المتوقعة وعاد للإنتاج مرة أخرى، وكلتا الحالتين تمثلان مشكلة كبيرة للسوق المحلي في ظل معدلات الاستهلاك الحالية.
بالتأكيد قطاع البترول يقف حائراً وسط هذه التداعيات الخطيرة، فيما يواجهه من ارتفاع أسعار هائل للنفط ومنتجاته، وها هي أسعار الغاز تلحقه وبسرعة كبيرة. كافة المستهدف من عمليات تنشيط الإنتاج المحلي أو الآبار الجديدة لا تغطي سوى جزء يسير من العجز الحالي، ولذلك سيكون الاستيراد هو الحل الوحيد على الأقل على المدى القصير.
الإجراءات الحكومية التي اتخذت في اجتماعها اليوم بغلق المحلات مبكراً، والاتجاه نحو تخفيض ساعات العمل الأسبوعي بالعمل من المنزل يومين أسبوعياً، هو إشارة إلى عدم قدرة قطاع البترول على الصمود أمام تلك المشاكل المتتابعة، وأن التدخل الحكومي أصبح الآن مطلوباً لترشيد الاستهلاك قدر الإمكان وبقوة القانون، بعدما فشلت كل آليات النصيحة والإرشاد المجتمعي لترشيد الاستهلاك الطوعي.
هذه الظروف جاءت لتضع الجميع أمام أنفسهم وتثبت خطورة أن يكون هدفنا الرئيسي هو عملية إدارة الأزمة حتى تنقشع الغيوم ونعود كسابق عهدنا.
أصبح لزاماً أن يتم دراسة كل الدروس المستفادة من هذه الأزمة الخانقة، وأسباب عدم صمود القطاع لأسبوع واحد بعد اندلاع الحرب، وإعادة صياغة استراتيجيات قطاع البترول على المدى المتوسط والطويل، وتحديد الأولويات، ومدى قدرة الشركاء الحاليين وموازنات عملهم التي باتت ضئيلة ولا تلبي طموحات العمل المستقبلي الجاد في كثير من الشركات، وإعادة هيكلة آلية صنع القرار به، وتحديد مصادر استيراد الغاز بكل دقة حتى لا نتعرض لضغوط من أي نوع.
على قطاع البترول ألا يصبح كله فريقاً لإدارة الأزمات، ولكن يجب أن يكون به عقول وخبراء يكون عملهم الرئيسي إدارة منظومته الاقتصادية، وأن يبدأ وعلى وجه السرعة في تعظيم عوائده من المشروعات والخدمات والقيمة المضافة، وأن يجد آلية محددة لفتح المجال للقطاع الخاص بكل أشكاله لاستيراد المواد البترولية والغاز لسد احتياجاته، وخاصة كبار المستهلكين، لتخفيف وطأة تدبير أموال حكومية لاستيراد المنتجات بعد أن تضاءلت الآمال في زيادة الإنتاج المحلي في الفترة الحالية.