الأربعاء 11 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447

وائل عطية يكتب: هرمز على حافة الانفجار: سيناريو الألغام وأزمة الطاقة

105
المستقبل اليوم

في النظام العالمي للطاقة توجد نقاط جغرافية محدودة تتحكم في تدفق الموارد الحيوية. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه النقاط، حيث يمر عبره ما يقرب من ٢٠٪؜ من تجارة البترول العالمية، لذلك فإن أي تهديد لهذا الممر لا يُقرأ بوصفه حدثاً عسكرياً محلياً، بل باعتباره مؤشراً استراتيجياً قد يعيد تشكيل معادلات الطاقة العالمية.
التقارير التي تحدثت عن احتمال قيام إيران بنشر ألغام بحرية في المضيق لم تكن مجرد تطور أمني عابر، بل إشارة إلى تصعيد قد يحول هذا الممر البحري الضيق إلى أداة ضغط اقتصادي هائلة. ففي أدبيات الصراع البحري يُعد تلغيم المضائق أحد أكثر أدوات فاعلية لأنه يفرض حالة خطر مستمرة حتى دون إغلاق رسمي للممر.

في أسواق الطاقة لا تتحرك الأسعار فقط وفق ما يحدث فعلياً، بل وفق ما قد يحدث. ولذلك لم تنتظر الأسواق تأكيدات رسمية للتقارير، بل بدأت فوراً في تسعير احتمالات التعطيل.
ارتفعت أسعار خام برنت بنسب متفاوتة في الأيام الأولى بعد انتشار التقارير وهي زيادة تعكس ما يعرف في اقتصاد البترول بـ زيادة المخاطر الجيوسياسية.
كما شهدت سوق العقود الآجلة حالة من تخوف المشترين من نقص الإمدادات في المدى القريب ودفعهم للحصول على البترول فوراً بدلاً من الانتظار.
إلى جانب ذلك ارتفعت تكاليف التأمين البحري على ناقلات البترول المتجهة إلى الخليج خاصة اسعار التأمين ضد أخطار الحرب وهي زيادة تضيف بشكل مباشر بضع دولارات إلى تكلفة البرميل النهائي.

ومع تصاعد القلق في الأسواق تحركت الدول الكبرى عبر آليتين أساسيتين، أولها الاستعداد للسحب من المخزونات الاستراتيجية
وقد بدأت وكالة الطاقة الدولية بالتنسيق مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الآسيوية الكبرى في مراجعة جاهزية هذه المخزونات، والهدف من هذه الخطوة هو طمأنة الأسواق بأن هناك مخزوناً كافياً يمكن استخدامه لتغطية الطلب العالمي في حال تعطل تدفقات البترول عبر هرمز.
وثاني هذه الاليات هي إدارة الطلب محلياً حيث بدأت بعض الحكومات المستوردة للبترول في تعديل أسعار الوقود محلياً للحد من تأثير الارتفاعات العالمية على موازناتها. كما اتجهت بعض مصانع التكرير الآسيوية إلى تنويع مصادر الإمدادات عبر شراء البترول الأمريكي أو الإفريقي رغم ارتفاع تكاليف النقل.

قد يبدو إغلاق المضيق السيناريو الأكثر خطورة لكنه في الواقع أقل تعقيداً من الناحية العملياتية مقارنة بالتلغيم.
الإغلاق قرار سياسي يمكن التراجع عنه أو التفاوض حوله أما الألغام البحرية فهي تهديد مستمر لأن إزالة الألغام تتطلب عمليات عسكرية دقيقة قد تستغرق أسابيع أو شهوراً.
وخلال تلك الفترة تتباطأ حركة السفن بشكل كبير وقد تتجنب شركات الشحن دخول المنطقة بالكامل مما يؤدي إلى نقص فعلي في القدرة اللوجستية لنقل البترول، حتى لو ظل المضيق مفتوحاً نظرياً.

على الجانب الأخر هناك بدائل لتعويض هرمز حيث تمتلك بعض دول الخليج خطوط أنابيب بديلة تقلل جزئياً من الاعتماد على المضيق أبرزها خط أنابيب شرق–غرب السعودي إلى البحر الأحمر وخط أنابيب حبشان–الفجيرة الإماراتي إلى بحر العرب
لكن قدرة هذه الخطوط مجتمعة لا تتجاوز نحو نصف الكميات التي تمر عبر المضيق وبالتالي فإن تعطيل الملاحة في هرمز قد يؤدي إلى فجوة في الإمدادات تصل إلى ١٠ ملايين برميل يومياً، وهو حجم يصعب تعويضه بسرعة في الأسواق العالمية.

والسؤال الأبرز حاليا: ما سيناريوهات أسعار البترول إذا تعطّل مضيق هرمز
يعتمد تأثير الأزمة على مدة التعطيل وحجمه ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: اضطراب محدود (أيام قليلة) مع استمرار الملاحة مع أخطار مرتفعة وارتفاع تكلفة المخاطر فقط وسيتراوح السعر المتوقع بين ٩٠ و ١٠٥ دولار للبرميل

السيناريو الثاني: تعطيل جزئي (أسابيع) نتيجة انخفاض حركة الناقلات وارتفاع التأمين والشحن وبدأ استخدام محدود للمخزونات الاستراتيجية وسيتراوح السعر المتوقع بين ١١٠ و ١٣٠ دولار للبرميل

السيناريو الثالث: تعطيل واسع (أشهر) وهنا سيتوقف جزء كبير من صادرات الخليج ويتم سحب واسع من المخزونات العالمية
ويؤدى الى اضطراب اقتصادي عالمي والسعر المتوقع ١٥٠ دولار وربما أكثر

وللذاكرة، فإن هرمز تسبب في خمس أزمات هزّت أسواق الطاقة فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل هذا الممر البحري الضيق مسرحاً لأزمات متكررة انعكست فوراً على أسعار البترول والاقتصاد العالمي فكلما توترت الأوضاع في الخليج يعود اسم هرمز إلى الواجهة باعتباره نقطة الاختناق الأخطر في تجارة الطاقة العالمية ومن أبرز الأزمات التي ارتبطت بالمضيق وأثرت في اسواق البترول.
حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى عندما غزا العراق الكويت في أغسطس ١٩٩٠ ثم أزمة احتجاز إيران للناقلة البريطانية في صيف ٢٠١٩ واخرها كان الهجوم على منشآت أرامكو في سبتمبر ٢٠١٩، وقد أدت هذه التوترات البحرية المتكررة في كل مرة الى تفاعل الأسواق بسرعة مع الأخبار حتى قبل التأكد من حجم الخطر الفعلي.
هذا النمط يعكس حقيقة أساسية في اقتصاد البترول : أن الأسواق لا تتأثر بالأحداث فقط، بل تتأثر باحتمال وقوعها.

تكشف هذه الأزمات المتكررة حقيقة جيوسياسية مهمة: أن مضيق هرمز سيظل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ففي عصر يعتمد فيه الاقتصاد العالمي على تدفق الطاقة بشكل مستمر، يصبح أي تهديد لهذا الممر، حتى لو كان محدوداً كفيلاً بإشعال موجة قلق عالمية.
ولهذا السبب، لا يُنظر إلى المضيق فقط كممر بحري، بل كعنصر أساسي في معادلة أمن الطاقة العالمي.




تم نسخ الرابط