الإثنين 19 يناير 2026 الموافق 30 رجب 1447

مجرد رأي: عندما تعاند الأرض أصحابها

160
المستقبل اليوم

الظروف والواقع كلاهما مهيَّآن لفريق المغرب ليجلس على عرش الكرة الأفريقية في بطولتها التي أُقيمت على أرضه وانتهت منذ ساعات قليلة. خطفت السنغال اللقب من أنياب أسود الأطلس في واقعة غريبة، أقل ما يُقال عنها إن الأرض عاندت أصحابها.

هذا التجمّع الكروي لن ترى له مثيلاً في أرجاء الدنيا. لن تجد الأزياء والطراطير الغريبة فاقعة الألوان إلا في ملاعب أفريقيا. لن تجد هذا الكم من الحماس، ودقّ الطبول، والنفخ في المزمار الأفريقي العجيب (الفوفوزيلا) إلا في هذه المناسبة المدهشة. لن تجد تنافس الجنوب مع الشمال، وعقدة الجلد الأسود، إلا في هذه البطولة. لن تجد التنافر والتشاحن بين أبناء وفرق الدول العربية، أبناء الشمال الأفريقي، في أوضح صورة إلا في هذا المحفل. لن تجد الرعونة في استفزاز الجماهير بأساليب صبيانية إلا عند بعض مسؤولي فرق هذه البطولة العجيبة. لن تجد العصبية والتشنج والانسحاب من المباراة لقرار لم يُعجب الفريق إلا في قارتنا. لن تجد من يستاء من تواضع أماكن الإقامة والتدريب إلا في بلدان هذه البطولة، حين كانت معظم الدول تعاني الفقر والتخلف.

أما الأدهى من كل هذا فهو ضربة الجزاء المُبرمجة عند الدقيقة 90 لصاحب الأرض، وكأنها أصبحت قانونًا أو حقًا مكتسبًا لمستضيف البطولة.

هكذا هي بطولة كأس الأمم الأفريقية: كرنفال رياضي وثقافي واجتماعي لا يمكن أن يتكرر في أي مكان آخر في الدنيا بكل هذه المركبات والتفاصيل. منه تنتقل الثقافات بين الشعوب، وترى كل غريب وعجيب من عادات وتقاليد حياة المدن والأحراش على السواء. لم يجد المصريون أقوى من الفوفوزيلا الأفريقية التي ظهرت في بطولة جنوب أفريقيا 2010 حتى يُسقطوا حكم الإخوان في ميدان التحرير عام 2013. كان لهذا المزمار وصوته المدوي أثرٌ أكبر من طلقات المدافع؛ اهتز له عرش الطغاة والبغاة.

لم تختلف بطولة المغرب كثيرًا عن هذه الطقوس. وصل فريقها إلى النهائي، وهذا منطقي ومتوقع. جاءت ضربة الجزاء القاتلة المعروفة سلفًا، لكنها لم تكن القاضية. انسحب الفريق المنافس أمامهم، لكنه عاد إلى رشده وأكمل، وانتصر بعد أن منحتهم أرض المغرب قبولها، وعاندت أصحابها.

تظل بطولة كأس الأمم الأفريقية بطولة العجائب والغرائب، ويظل للجنوب أبناؤه، وللشمال سكّانه، ولا يزالون مختلفين.والسلام،

#سقراط




تم نسخ الرابط