د محمد عبدالرؤوف يكتب : قراءة وطنية في أداء الحكومة الحالية : ما لها وما عليها
تقييم أداء الحكومات ليس ترفًا سياسيًا، ولا فعل معارضة، بل واجب وطني لا يستقيم البناء بدونه. فالدولة التي لا تُراجع نفسها، تُكرر أخطاءها، والحكومة التي لا تُحاسَب بإنصاف، تفقد البوصلة مهما حسنت النوايا. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة بعيدًا عن منطق التهليل الأجوف أو النقد الهدّام، قراءة تُنصف ما تحقق، وتُسمّي ما تعثر باسمه.
الحكومة الحالية تسلمت المشهد في واحدة من أعقد اللحظات التي مرت بها الدولة المصرية؛ ضغوط اقتصادية عالمية، تضخم غير مسبوق، اضطراب في أسواق الطاقة والغذاء، وتداعيات إقليمية فرضت نفسها على الداخل قبل الخارج. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الحكومة نجحت في الحفاظ على تماسك الدولة، ومنعت انزلاقها إلى سيناريوهات الفوضى الاقتصادية التي طالت دولًا أخرى أقل وطأة في الأزمات.
من أبرز ما يُحسب للحكومة إدارتها لملفات البنية التحتية والطاقة والنقل، حيث استمرت مشروعات استراتيجية لم تتوقف رغم شح الموارد، وتم الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في قطاعات حيوية تمس الأمن القومي مباشرة. كما شهدت بعض مؤسسات الدولة محاولات جادة لضبط الأداء الإداري، وفرض قدر من الانضباط المالي، وترشيد الإنفاق، بما ساهم في عبور مراحل شديدة القسوة.
لكن الإنصاف، وهو أساس أي قراءة وطنية صادقة، يفرض الاعتراف بأن ما تحقق لا يكفي وحده لطمأنة المواطن، وأن ما أُنجز على مستوى الدولة لم ينعكس بالقدر الكافي على حياة الناس اليومية. فارتفاع الأسعار ظل عبئًا ثقيلًا على الطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل، والدخول لم تواكب معدلات التضخم، بينما بقيت البيروقراطية عائقًا مزمنًا أمام الاستثمار والإنتاج، وأحد أسباب إهدار الوقت والفرص.
كما أن التغيير في بعض المواقع التنفيذية جاء جزئيًا وشكليًا أكثر منه تحولًا جذريًا في الفكر وآليات العمل. فالتجديد الحقيقي لا يُقاس بتبديل الأسماء، بل بتغيير السياسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم الكفاءة على المجاملة، والقدرة على اتخاذ القرار لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.
وتبقى واحدة من أهم الملاحظات على الأداء الحكومي هي ضعف التواصل مع الشارع. فالمواطن لا يطلب معجزات، لكنه يريد خطابًا صادقًا، ومصارحة حقيقية، وشعورًا بأن معاناته مفهومة ومقدّرة. الصمت أو الخطاب الفني الجاف لا يملأ فراغ الثقة، ولا يُقنع أسرة تبحث عن قوت يومها.
ومع ذلك، فإن الحكم على الحكومة بالفشل المطلق ظلم لا يقل خطورة عن التهليل غير المبرر. فهي حكومة عملت في ظروف استثنائية، ونجحت في ملفات، وتعثرت في أخرى، وما زالت تمتلك فرصة حقيقية لتصحيح المسار إذا أحسنت قراءة الواقع، وامتلكت شجاعة المراجعة، ووسّعت دوائر الاستماع، وفتحت المجال لدماء جديدة تحمل فكرًا مختلفًا وإرادة فعل.
الخلاصة أن الحكومة الحالية ليست نهاية الطريق، ولا بداية الانطلاق الكامل، بل محطة اختبار حقيقية. ما لها يُذكر ويُحسب، وما عليها يجب أن يُعالج بلا تأجيل. فالدولة أقوى من أي حكومة، والشعب أوعى من أن يُخدع، والمرحلة القادمة لا تحتمل إلا أداءً يرتقي بحجم التحدي، ويُعيد الأمل إلى الشارع قبل أن تُرهقه الأرقام.
ولا يمكن فصل أي تقييم لأداء الحكومة عن الدور المحوري للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قاد الدولة في واحدة من أدق وأخطر مراحل تاريخها الحديث. فاستقرار الدولة المصرية لم يكن وليد المصادفة، بل نتاج قيادة امتلكت وضوح الرؤية، وحسم القرار، وقدّمت بقاء الدولة وهيبتها على أي حسابات شعبوية أو ضغوط ظرفية.
لقد نجح السيد الرئيس في ترسيخ معادلة صعبة: دولة قوية لا تُدار بالارتباك، وجيش وطني لا يُستخدم للتهديد بل للحماية، ومؤسسات لا تنهار عند أول اختبار. فالقوات المسلحة المصرية كانت ولا تزال صمام الأمان، قوةً رادعة تحمي الحدود، وتحفظ التوازن، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن مصر خط أحمر لا يُساوم عليه.
وفي زمنٍ تهاوت فيه دول، وتفككت جيوش، وباتت السيادة محل تفاوض، حافظت مصر على هيبتها، واحتفظت بمكانتها، ولم تسمح بأن تكون ساحة للفوضى أو منصة لتصفية الحسابات. وهو استقرار لم يكن ليحدث لولا إرادة سياسية واعية، ودولة أدركت أن الأمن القومي هو الأساس الذي يُبنى عليه أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي.
إن ما تنعم به مصر اليوم من تماسك داخلي، رغم قسوة التحديات، هو إنجاز في حد ذاته، ويُحسب لقيادة آمنت بأن الأوطان لا تُدار بالشعارات، بل بالقوة الرشيدة، والعمل الصبور، والقرار المسؤول. وفي هذا السياق، فإن أي نقد للأداء التنفيذي لا ينتقص من حقيقة راسخة: أن الدولة مستقرة، والجيش قوي، والقيادة حاضرة، وهي ركائز لا غنى عنها لأي أمل في غدٍ أفضل.
إنها قراءة وطنية لا تبحث عن خصومة… بل عن مستقبل أفضل يستحقه هذا الوطن. حفظ الله مصر قيادةً وشعباً .
كاتب المقال :-
الاستاذ الدكتور / محمد عبدالرؤوف
رئيس مجلس إدارة مركز تطوير الكيماويات - معهد بحوث البترول