أحمد البري يكتب: ثعابين في بذلات العمل ….كيف يصل غير الأسوياء إلى المناصب (1)
“الإنسان هرم من الأسرار لا نرى إلا قمته” اقتباس من رواية “رقصة شرقية”
تقدم الأستاذ راغب للالتحاق بوظيفة مدير تنفيذي في إحدى الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، اجتاز المقابلات الشخصية بنجاح، وتبقى له اختبار السمات النفسية أو ما بات يُعرف باختبار الثالوث المظلم “Dark Triad Test”، وهو اختبار متعلق بتحليل الشخصية يستكشف السمات غير المرغوبة اجتماعيًا مثل النرجسية، والمكيافيلية، والاعتلال النفسي “السايكوباثية”، ويتضمن بعض الأسئلة من عينة:
– هل أنت شخصية قيادية؟
– هل تتوقع أن تحظى بمعاملة خاصة من الآخرين؟
– هل تعتقد أن الأخلاق أكثر أهمية من التقدم الوظيفي والنجاح العلمي؟
… إلى آخر الأسئلة التي بلغت قرابة الخمسة والثلاثين سؤالًا، وُضعت بواسطة أخصائي نفسي متمرس في تحليل أنماط الشخصيات المختلفة.
أظهرت نتائج الاختبار “مرفق” أن الأستاذ راغب لديه مستوى مرتفع جدًا من سمات الشخصية المكيافيلية، يليه مستوى عالٍ من سمات الشخصية النرجسية، وأخيرًا مستوى عالٍ من سمات الشخصية السيكوباتية، وجميع النسب تتجاوز الحد المتوسط لدى أغلب الناس.
عُرضت نتائج الاختبار على مجلس الإدارة لإجراء البت النهائي في مسألة توظيف أو عدم توظيف الأستاذ راغب، انقسم أعضاء المجلس، وكان عددهم خمسة أفراد، وجميعهم من خبراء الصناعة. الثلاثة الأكبر سنًا كانوا معارضين تمامًا لتوظيف الأستاذ راغب، وكانت حجتهم في ذلك القرار أن توظيف المعتلين نفسيًا في مناصب قيادية سوف يخلق بيئة عمل سامة تقلل من إنتاجية العاملين، وقد تدفعهم إلى ترك الشركة.
أما بقية أعضاء المجلس، وكانوا الأصغر سنًا ولكنهم أكثر اطلاعًا وثقافة من الفريق الآخر، فقد تمسكوا برأيهم الداعم لتوظيف الأستاذ راغب، وكانت حجتهم أن العديد من الدراسات والأبحاث في الإدارة الحديثة صارت تميل إلى أن المديرين ذوي أنماط شخصيات الثالوث المظلم لديهم قدرات عالية على التفاوض والقدرة على اتخاذ القرارات التي تحتاج إلى شجاعة، وذلك يرجع إلى سماتهم الأساسية، والتي من أبرزها الصلابة النفسية، والقدرة على مواجهة التحديات، وافتقادهم للتعاطف، وقدرتهم على التلاعب بغرض تحقيق الأهداف، وهذه السمات تحتاجها معظم الشركات، وخاصة في مرحلة تقليص النفقات.
ثم أخذ الفريق المؤيد لتعيين الأستاذ راغب في سرد مواقف المدير التنفيذي السابق قائلين لخصومهم: هل تذكرون يا سادة كيف كان المدير الأسبق رقيق القلب يتوسط لمرؤوسيه لتلبية متطلباتهم؟ فهذه العاملة تحتاج إلى إجازة وضع مدفوعة الأجر، وهذا الموظف في حاجة إلى سلفة مالية لعلاج والدته. وهل تذكرون كم النقاشات التي كنا نخوضها معه لإقناعه بإنهاء خدمة بعض العاملين ترشيدًا للنفقات؟ في نهاية الأمر نحن ندير مؤسسة تهدف إلى الربح ولا ندير مؤسسة للأعمال الخيرية”.
في عام 2002 صاغ الباحثان Kevin M. Williams & Delroy L. Paulhus دراسة في علم النفس (Paulhus & Williams, 2002) عن أنماط الشخصيات العدائية غير الهجومية (النرجسية – السايكوباثية – الميكافيلية)، وخلصت هذه الدراسة إلى عدة نتائج، نذكر منها أن هناك دلائل إحصائية قوية تشير إلى وجود تداخل بين سمات هذه الأنماط الثلاثة من الشخصيات داخل مفردة العينة الواحدة، وهذا يعني بصورة مبسطة أن الفرد الذي يحمل نمطًا واحدًا من الشخصيات السابق ذكرها (النرجسية على سبيل المثال) سوف تتضمن شخصيته – في أغلب الحالات – سمات من باقي الأنماط العدائية الأخرى (السايكوباثية – الميكافيلية)، وأن هذه الأنماط الثلاثة تجتمع معًا داخل الفرد مكونة ما يُعرف بالثالوث المظلم.
وفي نفس العام أضاف عالم نفس آخر هو “روبرت د. هير”، المتخصص في دراسة وتحليل الشخصية السايكوباثية، مقولة مفادها أن الأشخاص من ذوي سمات الثالوث المظلم ليسوا فاشلين أو منعزلين اجتماعيًا كما يعتقد عامة الناس، بل على النقيض من ذلك، فإن سماتهم وعلاتهم النفسية قد تكون من أسباب تفوقهم على غيرهم.
وفي عام 2007 نشر روبرت هير، بالمشاركة مع أستاذ علم نفس آخر هو بول بابيلك، كتابه الشهير Snakes in Suits، والذي تُرجم إلى العربية ونُشر تحت عنوان “ثعابين في بذلات العمل.. عندما يذهب السيكوباتيون إلى العمل”، ومن خلال هذا الكتاب قدم الباحثان شرحًا وافيًا لسمات الشخصيات المعتلة نفسيًا، إلى جانب توضيح أسباب تفوقهم داخل المجتمعات الوظيفية، والتحذير المتكرر ممن أسماهم مؤلفا الكتاب بـ”محتالي الشركات”.
وفي الجزء التالي من هذا المقال سوف يتم إلقاء مزيد من الضوء على أهم سمات شخصيات الثالوث المظلم “النرجسية – السايكوباثية – الميكافيلية”، وما أسباب تفوق أصحاب هذه السمات على أقرانهم.
إلى أن نلتقي.