الجمعة 09 يناير 2026 الموافق 20 رجب 1447

وائل عطية يكتب: كيف تُعيد -دبلوماسية الغاز- رسم خرائط النفوذ المصري إقليمياً؟

246
المستقبل اليوم

لم تكن زيارة وزير البترول والثروة المعدنية إلى نيقوسيا ممثلاً عن الرئيس عبد الفتاح السيسي في مراسم تسلم قبرص رئاسة الاتحاد الأوروبي مجرد مشاركة بروتوكولية في حدث أوروبي رفيع المستوى، بل جاءت الزيارة وما صاحبها من لقاء مع الرئيس القبرصي لتؤكد أن ملف الطاقة بات في صدارة أدوات الحضور المصري خارج حدوده وأن دبلوماسية الغاز أصبحت إحدى القنوات الأكثر فاعلية في إعادة صياغة النفوذ الإقليمي والدولي للقاهرة.
اللقاء المصري – القبرصي جاء متسقاً مع لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية تتقاطع فيها أزمة الطاقة الأوروبية مع إعادة ترتيب التحالفات في شرق المتوسط فاستعراض تطورات ربط الحقول القبرصية بالتسهيلات المصرية لم يكن حديثاً فنياً بقدر ما كان تأكيداً على معادلة جيوسياسية واضحة.

مصر هي بوابة الغاز القبرصي إلى أوروبا وقبرص شريك استراتيجي يمنح القاهرة عمقاً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
التشديد المشترك على تسريع تنفيذ مشروعات الربط يعكس إدراكاً متبادلاً بأن البنية التحتية لم تعد مجرد استثمار اقتصادي، بل أداة لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتوسيع هامش المناورة السياسية للطرفين.
هذا المشهد في نيقوسيا ليس معزولاً عن سياق أوسع. فالتزامن بين الحراك الدبلوماسي المصري رفيع المستوى والاجتماعات المكثفة لوزير البترول مع نظرائه في الخليج والمشرق وشرق المتوسط يكشف عن تناغم مؤسسي متقدم داخل الدولة المصرية.
وزارة الخارجية ترسم الإطار السياسي العام بينما تتحرك وزارة البترول كذراع تنفيذية تُحوّل التفاهمات إلى خطوط أنابيب ومحطات إسالة وسفن تغويز واتفاقات ربط عابرة للحدود. بهذا المعنى لم تعد البترول وزارة خدمية، بل أحد مفاصل السياسة الخارجية المصرية.
خلال أيام قليلة رسمت وزارة البترول مثلث النفوذ بدقة ما بين الاتفاقيات مع قطر والمشرق العربي وشرق المتوسط.

التفاهمات مع الدوحة تقوم على دمج أكبر طاقة إنتاجية عالمياً مع البنية التحتية المصرية الأكثر كفاءة في شرق المتوسط. محطتا إدكو ودمياط بطاقة تقارب ١٢،٢ مليون طن سنوياً تمنحان الغاز القطري منفذاً مرناً إلى أوروبا بينما تؤمن لمصر الإمدادات وتعظم عوائد إعادة التصدير.
ثم جاء الانفتاح على الملف السوري لتزويد سوريا بالغاز اللازم لتوليد الكهرباء بالإضافة الى المنتجات البترولية الأخرى وقبله زيارة لبنان والتعاون مع الأردن كل ذلك من خلال استغلال خط الغاز العربي وسفن التغويز ليعيد القاهرة إلى موقع الضامن لاستقرار الطاقة في المشرق ويمنحانها ثقلاً سياسياً كوسيط موثوق يفصل بين الاحتياجات الخدمية وتعقيدات الصراع.

وهنا تتقاطع زيارة نيقوسيا مع الرؤية المصرية الأشمل. فربط الحقول القبرصية بالتسهيلات المصرية إلى جانب تحول منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة دولية مقرها القاهرة يمنح مصر عملياً القدرة على توجيه مسارات الغاز من قبرص واليونان وإسرائيل إلى أوروبا ويجعلها نقطة الالتقاء التي لا يمكن تجاوزها.

تعزز هذه الاستراتيجية لغة الأرقام، فمصر لديها شبكة غاز قومية قادرة على استيعاب أكثر من ٧ مليارات قدم مكعب يومياً
وتنوع مصادر الإمداد من الخليج إلى شرق المتوسط والمشرق وبنية تحتية تجعل من مصر دولة ممر وضمان في آن واحد.

في ضوء هذا المشهد، تبدو - دبلوماسية الغاز- المصرية أكثر من مجرد سياسة طاقة. إنها مقاربة شاملة لإدارة التوازنات الإقليمية وخفض التوترات وبناء شبكة مصالح تجعل من استقرار الطاقة في شرق المتوسط والمشرق وأوروبا مرتبطاً إلى حد كبير بالدور المصري.
من نيقوسيا إلى الدوحة ومن المشرق إلى منتدى غاز شرق المتوسط، تتحرك القاهرة بثقة المايسترو الذي لا يعزف منفرداً لكنه يحدد الإيقاع ويمسك بالخيوط ويدرك أن من يملك مفاتيح الطاقة يملك هامشاً أوسع لصياغة السياسة.




تم نسخ الرابط