للاعلان

Wed,19 Jun 2024

عثمان علام

الدعارة الفكرية والدعارة الجنسية

الدعارة الفكرية والدعارة الجنسية

الكاتب : عثمان علام |

04:01 am 29/04/2024

| رئيس التحرير

| 1052


أقرأ أيضا: الذهب يرتفع مع ضعف البيانات الاقتصادية الأمريكية

الدعارة الفكرية والدعارة الجنسية 
 

كغيرنا في مصر نردد الأقاويل والمصطلحات دون أن نعرف لها معنى أو عنوان ، الأمر تماماً مثل تداول الشائعات والخوض فى الأعراض واتهام الناس بالباطل ، الجميع يرددون الكلمات ليس لأنهم فهموا معناها أو درسوها او تعلموها ، هم يرددونها كالببغاء .

وقد ظللت كثيراً أفعل مثلهم ، حتى استوقفني ذات مرة نقد كتبه البعض عن ممارسات بعض المطبلين ، واصفاً إيام بممارسة "دعارة الفكر"، قرأت ما كتبه للنهاية وبعدها جال بخاطري أن هناك قصة وراء ذكر المصطلح ، لقد سمعته كثيراً ولم اعي ولا أفهم معناه ، النقاد يذكرونه في مقالات التبرير ، ويشبهون الكثير من الإعلاميين بأنهم يمارسون الدعارة الفكرية ، الأمر يبدو أن ورأه قصة حقيقية ، تماماً كالأمثال ، كل مثل له مورد ومضرب ، مورده هو المناسبة التي قيل فيها، ويطل الناس يضربونه في كل مناسبة شبيهة .

و دعارة الفكر ، هي قول الشيء ونقيضه وفعل الشيء وعكسه في زمن واحد وعهد واحد ، وهي تناقض الثبات على المبدأ والسير في قول الحقيقة ، إنها تبرير لشيء مخالف ، بمعنى أنك تُحل الشيء لشخص ما وتحرمه على أخر ، مع أنه نفس الشيء ونفس المكان ونفس الظروف، وهذه حقيقة الدعارة الفكرية المستقاة من الدعارة الجنسية التي تم الترخيص لها بحجة ما وتجريمها بحجة أخرى .

وفي مصر تم الترخيص للدعارة في أوقات متعددة ، كانت معظمها أيام الاحتلال ، لإتاحة حرية ممارسة الجنس للجنود المحتلين ، وتم تبرير ذلك بأن هناك حاجة ماسة لذلك ، وعندما تم التحريم قيل أيضاً ان قيم المجتمع واعرافه تتطلب ذلك .

وقد ظلت الدعارة في مصر قانونية حتى عام 1949، مثلها مثل أغلب دول العالم الثالث، وتم أول تسجيل للعاهرات في مصر خلال القرن السابع في مقر الصوباشي أو رئيس الشرطة. وقد أبقى محمد علي ضريبة الدعارة لبعض الوقت ثم ألغاها عام 1837، ثم بدأت الدعارة في الخضوع للتسجيل والتنظيم منذ تطبيق اللائحة التي سميت بتعليمات بيوت الدعارة والتي استمر العمل بها حتى ألغيت عام 1949.وبعدها بعامين اعتبرت جميع أشكال الدعارة غير قانونية.وصدرت لائحة التفتيش على العاهرات عام 1885 والتزمت العاملات بالجنس بمقتضاها بالتسجيل وإلا عوقبن. 

وقد تم العثور مؤخرا في دار المحفوظات على وثائق عمرها 118 عامًا تتحدث عن تسجيل العاهرات في مصر. وانقسمت العاهرات إلى قسمين «عايقة» و«مقطورة» والعايقة هي القوادة والمقطورة هي التي تمارس النشاط. وأمام اسم كل من بنات الهوى كان يكتب سنها وسكنها ورقم رخصتها وتاريخ الكشف الطبي عليها وغيرها.

ولم تكن الدعارة في مصر القديمة خطيئة يجب الخجل منها، بل فعل محترم ومقدس، حيث أن أول الأماكن التي تمت ممارسة فيها الدعارة كانت معابد الألهة، فعلى سبيل المثال،كان الإله أمون إله الشمس منغمس في حياته الجنسية مع العديد من النساء. كما كانت تعطي العائلات أجمل بناتها لكهنة المعابد لهذا الغرض مع الإحتفاظ لهم بحرية المغادرة عندما يتقدم بهن العمر ولا يريدهم أحد من الكهنة .لم يكن شرط التقرب للكهنة أن تكون الفتاة عذراء فحتى المتزوجات كن يمارسن الدعارة باسم الدين.

تميزت بعض المومسات بإرتدائهم فساتين زرقاء مصنوعة من شبك الصيد، واضعات أحمر شفاه وراسمات أوشام على صدورهن أو أفخادهن.

وفترة الحكم الروماني مثل باقي المقاطعات الخاضعة للحكم الروماني لم تكن الدعارة جريمة بل كانت الدولة تسجل العاهرات لتأخذ منهم الضرائب فيما بعد. ولم يتغير الأمر كثيرًا في العصور الوسطى عن سابقيه فكانت الحكومات تنظم وتحمي بيوت الدعارة مقابل الضرائب. فلم يميل أحد من الحكام إلى تجريم هذا الفعل خوفا من ضياع العائد الذي تقدمه .

ثم جاءت كانت هناك فترات تم إيقاف هذه الممارسات وتجريمها تحت ضغط رجال الدين. وفي فترة الحكم العثماني استمرت عمليات التنظيم والتسجيل ودفع الضرائب تحت الحكم العثماني،بل مع بداية القرن السابع عشر تم إنشاء نقابتين للدعارة.

وكثرت ممارسة الدعارة أثناء الغزو الفرنسي لمصر عام 1798.فمع قدوم مومسات من أوروبا تعددت الأذواق وانتشرت الأمراض الجنسية بسرعة كبيرة في بيوت الدعارة مما أجبر القوات الفرنسية على إصدار قانون بمنع الجنود الفرنسيين بدخول بيوت الدعارة أو بممارستها في منازلهم الخاصة وأن المخالف بذلك سيحكم عليه بالموت.

وفي عام 1834، أصدر محمد علي باشا فرمان بتجريم ممارسة الدعارة في القاهرة مصدرا قرار بعد ذلك في عام 1837 بمنع ممارستها داخل مصر بالكامل. وفي عام 1867، تم إصدار قرار رقم 240 للعقوبات الجنائية ينص على:
«يعاقب بالسجن مده لا تقل عن شهر ولا تزيد عن سنة لكل قواد يجبر طفل صغير أو أمراة أقل من سن 21 عام على ممارسة عمل قد يعرضه للاغتصاب». وازدادت فترة العقوبة في القرار رقم 241 إذا كان المجبر على الفعل هو الأب او الأم أو والي الطفل أو الفتاة.

بعد قرار عصبة الأمم عام 1877 بإلغاء الرق، اتجهت العديد من النساء المحررات لممارسة الدعارة ليتمكن من العيش. 

وأيام الحكم البريطاني تم الترخيص لممارسة الدعارة داخل مدينة القاهرة عام 1885، فبعد استعمار القوات البريطانية لمصر عام 1882، خشيت الحكومة البريطانية من انتشار الأمراض الجنسية بين جنودها فأصدرت قرارات لتنظيم عملية الدعارة فلا يتم إعطاء الرخصة إلا بعد الكشف عليها في المستشفيات الحكومية وإثبات أنها سليمة غير حاملة لأي مرض.وفي يوليو عام 1885 أصدر وزير الشؤون الداخلية المصري تعديلات على بنود الكشف الصحي للممارسات البغائية.وتم أيضاً إصدار تعديلات أخرى في عام 1896 للتحكم في عدد بيوت الدعارة الذي انتشر سريعا.

الجنود الأستراليين الذين استقروا في مصر بعد الحرب العالمية الأولى ومن بينهم القناص الشهير ذو الأصول الصينية بيلي سينج كانوا من أشهر زبائن بيوت الدعارة المقننة في حي الزاوية الحمرا،الحي الأكثر سعرا الذي جذب الجنود النيوزيلنديون والأستراليون في أيام الجمعة عام 1915.وحاول الجيش الأسترالي سريعاً توفير الأدوية والعلاج المناسب للأمراض التي انتشرت في جنودهم وخصوصاً في مدينتي القاهرة وبورسعيد.

وفي عام 1932، تم إصدار قرار بإلغاء رخصه الدعارة وإنشاء شرطة الأداب.بينما تم إصدار قرار في عام 1937بمحاكمة الناس الذين اعتادوا العيش من أموال الدعارة. كما تم إصدار قانون عسكري رقم 76 عام 1949 ينص على هدم بيوت الدعارة.
ونص القانون رقم 68 لعام 1951 بمعاقبة التالي:-
أعمال الدعارة إذا ثبتت ممارستها بإستمرار.
اعمال الدعارة على الممارسين سواء كانوا رجال أو نساء (حيث كانت كلمة دعارة تشير إلى النساء فقط قبل ذلك بينما كانت تستخدم كلمة الأعمال الإباحية للرجال).
الأفعال التي تشجع على الدعارة.
تجارة الدعارة (بتجارة العبيد البيض).

هذا هو تاريخ الدعارة ، ويبدو أنه قريب أنه بالدعارة الفكرية وليس العكس ، تلك التي يمارسها بعض الصحفيين والإعلاميين والكتاب ، فإذا استدعت الحاجة لوجهة نظر أو كتابة مقال أو حتى إصدار رواية ، على الفور يتم فعل ذلك ، وعندما تنتفي الحاجة يتم تغيير وجهات النظر وكتابة مقالات وإصدار روايات عكس ما سبق ، وكأن هناك احتلال يفرض علينا شيء ثم سرعان ما يصدر القرارات بمنعه ، ليس خوفاً علينا ولكنه الخوف على تفشي الأمراض في رجاله ، والفرق الوحيد أن ممارسة الدعارة كانت أشد حزماً وقانونية في ممارستها ، فالداعرات كن يخضعن للكشف الطبي ووجود ترخيص وإعطاء رقم لكل واحدة منهن ، أما الآن فالكل يمارس دعارة الفكر بلا ترخيص ولا كشف ولا رقم ولا شرف .

#حكاوي_علام #عثمان_علام

أقرأ أيضا: مجرد رأي..من سيحلف القسم ؟

التعليقات

أستطلاع الرأي

هل تؤيد ضم الشركات متشابهة النشاط الواحد ؟